سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٠٦ - فصل في ذم الدهاء و المكر
و لا رأيت أغلب للرجال و لا أبذلهم حين يجتمعون من عمرو بن العاص، و لا أشبه سرا بعلانية من زياد، و لو أن المغيرة كان في مدينة لها ثمانية أبواب، لا يخرج من باب منها إلا بالمكر، لخرج من أبوابها كلها.
و قال أبو الدرداء: قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: (يا عويمر، ازدد عقلا تزدد من ربّك قربا) قلت: بأبي أنت و أمي، و من لي بالعقل؟ قال: (اجتنب محارم الله، و أد فرائض الله، تكن عاقلا، ثم تنفّل صالح الأعمال، تزدد في الدنيا عقلا، و تزدد من ربك قربا، و عليه عزّا)[١].
و يروى لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، شعر:
|
إنّ المكارم أخلاق مطهّرة |
فالعقل أوّلها و الدّين ثانيها |
|
|
و العلم ثالثها و الحلم رابعها |
و الجود خامسها و العرف سادسها |
|
|
و البرّ سابعها و الصّبر ثامنها |
و الشّكر تاسعها و اللّين عاشرها |
|
|
و النّفس تعلم أنّي لا أصدّقها |
و لست أرشد إلّا حين أعصيها |
|
|
و العين تعلم في عيني محدّثها |
إن كان من حزبها أو من أعاديها |
|
و قال بعض الحكماء: العاقل: من عقله في إرشاد، و من رأيه في إمداد، فقوله سديد و فعله حميد. و الجاهل: من جهله في إغواء، فقوله سقيم، و فعله ذميم، فأما من صرف فضل عقله إلى الدهاء و المكر و السر و الحيل و الخديعة، كالحجاج و زياد[٢] و أشباههما، فمذموم.
و قد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لست بالخبّ[٣] و الخبّ لا يخدعني.
و قال المغيرة[٤]: كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أفضل من أن يخدع، و أعقل من أن يخدع.
[١] - الحديث: ذكر في المطالب العالية لابن حجر رقم ٢٧٦٨ و أبو الدرداء هو عويمر بن مالك.
سبقت ترجمته.
[٢] - الحجاج بن يوسف الثقفي و زياد بن أبيه: و قد اشتهرا بحزمهما و شدتهما و سفكهما للدماء أثناء توليهما العراق و قد مرت ترجمتها.
[٣] - الخب: الخداع.
[٤] - أي المغيرة بن شعبة و قد سبقت ترجمته.