سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٧٥ - الباب الثالث عشر فى الصفات الراتبة التى زعم الحلماء أنها لا تدوم معها مملكة
و لما دخل أسقف نجران[١] على مصعب بن الزبير[٢] كلّمه بشىء أغضبه، فضرب وجهه بالقضيب فأدماه، فقال الأسقف: إن شاء الأمير أخبرته بما أنزل الله على عيسى ٧؟ قال: قل. قال: لا تغضب بعدها؟
قال: هات، قال: لا ينبغى للإمام أن يكون سفيها و منه يلتمس الحلم، و لا جائرا و منه يلتمس العدل.
و قال الأوزاعى[٣]: يهلك السلطان بالإعجاب و الاحتجاب، فأما الإعجاب فقد ذكرناه. و أما الاحتجاب: فهو أوحى[٤] الخلال فى هدم السلطان، و أسرعها خرّا بالدول[٥]، فإنه إذا احتجب السلطان فكأنه قد مات، لأن الحجبة موت حكمي، فتعبث بطانته بأرواح الخلائق و حريمهم و أموالهم، لأنّ الظالم قد أمن أن لا يصل المظلوم إلى السلطان، و معظم ما رأينا فى أعمارنا، و سمعنا عمن سبقنا، من دخول الفساد على الملوك، من حجبتهم عن مباشرة الأمور، و لا تزال الرعية ذات سلطان واحد ما وصلوا إلى سلطانهم، فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة.
أيها الملك المغرور، احتجبت عن الرعية بالحجاب و الأبواب، و جعلت دونهم بروجا مشيّدة، و حظائر بالحجارة و الماء و الطين مانعة، و باب الله مفتوح للسائلين، ليس هناك حاجب و لا بوّاب، قال تعالى: إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا [الفرقان: ٥٧].
و قال معاوية: ليس بين أن يملك السلطان رعيته، أو تملكه رعيته، إلا الحزم و التوانى، و كماله أمران: شدّة فى غير إفراط، و لين فى غير امتهان.
و سئل بزرجمهر: أىّ الملوك أحزم؟ قال: من ملك جدّه هزله، و قهر لبّه
[١] - أسقف نجران، من رؤساء النصارى، و لعله« قس بن ساعدة» فقد كان أسقف نجران على عهد النبى صلى اللّه عليه و سلم.
[٢] - مصعب بن الزبير: مصعب بن الزبير بن العوام، أحد الولاة الأبطال فى صدر الإسلام، كان عضد أخيه عبد الله بن الزبير فى تثبيت ملكه فى الحجاز و العراق، تولى البصرة و ضبط أمورها و قتل المختار الثقفى، ثم تجرد عبد الملك بن مروان لقتاله، و قتل سنة ٧١ ه.( الأعلام ٧/ ٢٤٧).
[٣] - الأوزاعى: عبد الرحمن بن عمرو، ولد في بعلبك، من أئمة الفقهاء، و صاحب مذهب معروف، كان جريئا احتج على ظلم الولاة، توفي في بيروت سنة ١٥٧ ه.( الأعلام ٣/ ٣٢٠).
[٤] - أوحى: أى أسرع.
[٥] - خرّا بالدول: أى سقوطا بها.