سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٥١ - الباب السابع فى بيان الحكمة في كون السلطان فى الأرض
و فسقت[١] الفأرة من جحرها، و خرجت الحيّة من معدنها[٢]، و جاء اللصّ بحيلته، و هاج البرغوث مع حقارته، فتعطلت المنافع، و استطارت[٣] فيهم المضارّ. كذلك السلطان إذا كان قاهرا لرعيّته، كانت المنفعة به عامة، و كانت الدماء فى أهلها محقونة، و الحرم فى خدورهن مصونة، و الأسواق عامرة، و المرافق حاصلة، و الأموال محروسة و الحيوان الفاضل ظاهرا، و الحيوان الشرير من أهل الفسوق و الدّعارة خاملا.
و إذا اختل أمر السلطان: دخل الفساد على الجميع، و لو جعل ظلم الناس حولا فى كفة، ثم جعل فساد الرعية و ظلمهم و هرجهم فى ساعة واحدة إذا اختل أمر السلطان فى كفّة، كان هرج[٤] ساعة أعظم و أرجح من ظلم السلطان حولا، و كيف لا؟ و في زوال السلطان، أو ضعف شوكته سوق أهل الشّرّ، و مكسب الأجناد[٥]، و نفاق أهل العيارة[٦] و السّوقة، و اللصوص و المناهبة[٧].
و قال الفضيل[٨]: جور ستين سنة خير من هرج ساعة[٩].
و لا يتمنّى زوال السلطان إلا جاهل مغرور، أو فاسق يتمنى كلّ محذور، فحقيق على كلّ رعية أن ترغب إلى الله تعالى فى إصلاح السلطان، و أن تبذل له نصحها، و تخصه بصالح دعائها، فإنّ فى صلاحه صلاح العباد و البلاد، و في فساده فساد العباد و البلاد.
و كان العلماء يقولون: إذا استقامت لكم أمور السلطان، فأكثروا حمد الله تعالى و شكره، و إن جاءكم منه ما تكرهون، وجّهوه إلى ما تستوجبونه
[١] - فسقت الفارة: خرجت من جحرها على الناس، و تسمى الفارة( الفويسقة) لخروجها على الناس.
[٢] - معدنها: مكان اقامتها، يقال:( عدن بالمكان: أقام فيه) و منها جنات عدن: أى جنات إقامة الخلود.
[٣] - استطارت: انتشرت.
[٤] - الهرج: الفتنة و الاختلاط و القتل.
[٥] - الأجناد: البلدان أو الجيوش.
[٦] - يقال رجل عيّار: أى كثير التطواف و الحركة يخلى نفسه و هواها.
[٧] - المناهبة: السطو على مال الغير و أخذه قهرا.
[٨] - الفضيل: هو الفضيل بن عياض( سبقت ترجمته).
[٩] - فى( ط) هرج سنة.