سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٣٩ - الباب الرابع فى بيان معرفة ملك سليمان بن داود
و قال مقاتل[١]: كان سليمان بن داود ملكا، و لكنه أراد بقوله: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي تسخير الرياح و الطير ... يدل علية ما بعده و هو قوله تعالى:
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ..[٢] [ص: ٣٦]، إلى آخر الآية.
و قيل: إنّ سليمان كان ملكه فى خاتمه، و لهذا ذهب ملكه بذهاب خاتمه، فقال: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، يعنى: اجعل ملكى فى نفسى لا فى خاتمى، حتى لا يملكه أحد غيرى، فإنّ إبليس لما أخذ خاتم سليمان، تحوّل ملك سليمان إلى إبليس، و قعد على كرسيّه يحكم فيه، حتى أنكرت بنو إسرائيل أحكامه، و كان قد ألقى عليه شبهه.
و قال عمرو بن عثمان المكى[٣]: إنما أراد به ملك النّفس و قهر الهوى، يدلّ عليه ما روى سلامان الشعبانىّ قال: بلغنى أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: أ رأيتم سليمان و ما أتاه الله من ملكه، فإنّه لم يرفع طرفه إلى السماء تخشّعا لله تعالى حتى قبضة الله تعالى.
و زاد غيره: إنما أراد ملك النفس و قهرها، لئلا يفتتن بالمملكة، و لهذا قدم سؤال المغفرة على طلب المملكة.
و قال بعض الوعاظ: إنما أراد: حتى انتقم لآدم من إبليس و ذرّيّته، حيث كان سببا فى إخراجه و ذريّته من الجنة.
و روى البخارى فى صحيحه أن النبى صلى اللّه عليه و سلم، قال: «إن عفريتا من الجن جعل يتفلّت على البارحة ليقطع عليّ صلاتى، و إن الله تعالى أمكننى منه فصرعته، و لقد هممت أن أربطه إلى سارية من سوارى المسجد، حتى تصبحوا و تنظروا إليه كلكم، فذكرت قول سليمان: هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فردّه الله خاسئا»[٤].
[١] - مقاتل: هو مقاتل بن سليمان بن بشر الأزدى البلخى، من أعلام المفسرين، توفى بالبصرة سنة ١٥٠ ه( الأعلام ٧/ ٢٨١).
[٢] - و تمامها فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ.
[٣] - عمرو بن عثمان المكى: أبو عبد الله، صوفى عالم بالأصول، من أهل مكة، له مصنفات فى التصوف، توفى سنة ٢٩٧ ه( الأعلام ٥/ ٨١، ٨٢).
[٤] - هذا حديث متفق على صحته، رواه البخارى فى الأنبياء باب قول الله تعالى: وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ ...، و فى المساجد و فى بدء الخلق .. رواه مسلم فى المساجد رقم( ٥٤١).