سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٣٦ - و فى أخبار القضاة
فإن قال قائل: كيف نهى أبا ذر عن القضاء و أمر عليّا بالقضاء، مع ما فيه من التغرير[١]؟ و ما روي بأن من قدّم للقضاء فقد ذبح بغير سكين؟ و فيه البعد عن حضرته و التيمّن بالمشاهدة[٢]، و تعلم سننه و شرائع دينه، و التخلق بأخلاقه و شيمه؟. و أيّهما أفضل: المثول بين يديه، و الكون بحضرته و مشاهدته و الصلاة خلفه، أو القضاء فى غيبته مع البعد عنه؟
قلنا: إنما نهى أبا ذر، لمعنى فيه يقصر به آخره عن رتبة القضاء، مما كان ضده فى عليّ رضى الله عنه [من استجماع شرائط القضاء و قوّته عليه، أ لا تراه صلى اللّه عليه و سلم قال لعلي: «إن الله هاد قلبك»، و قال لأبى ذر: «إنى أراك ضعيفا»][٣]، ثم قال فى آخره: (إلا من أخذها بحقها و أدى الذى عليه فيها) فاستدللنا بذلك على أن: من استجمعت فيه شروط القضاء و كان قويا على إنفاذه، لم يدخل تحت النهي. و مما يعدّ ضعفا عن القضاء طلبه إياه، إذ لم يدر عواقبه، و قد وصف الله سبحانه المتسرع إلى الأمانة بالجهل، فقال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢]، أى ظلوما لنفسه، جهولا بعاقبة امره، و الدليل على صحّة هذا التأويل: قول النبى: صلى اللّه عليه و سلم (القضاة ثلاثة: اثنان فى النار واحد فى الجنّة: رجل عرف الحق فقضى به فهو فى الجنة، و رجل عرف الحق فلم يقض به و جار فى الحكم فهو فى النار، و رجل لم يعرف الحقّ فقضى للناس على جهل فهو فى النار)[٤]. قلت: فهذان الرجلان ضعيفان عن رتبة القضاء، أحدهما بغشه و ظلمه، و الآخر بجهله.
و قد عابت جهلة بنى إسرائيل (طالوت)[٥]، فقالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ [البقرة: ٢٤٧]، فعابوه بخصلتين: الفقر، و أنه ليس من سبط المملكة، فقال لهم نبيّهم: إِنَّ اللَّهَ
[١] - الغرر: و هو التعريض للهلاك أو الغرير: الشاب الذى لا خبرة له.
[٢] - أى فى سفر على رضى الله عنه للقضاء البعد عن حضرة النبى( صلى اللّه عليه و سلم) و في( خ): التيمن بمشاهدته.
[٣] - ما بين المعقوفتين سقطت من( ط).
[٤] - أخرجه الأربعة و صححه الحاكم، و الحديث صحيح( الجامع الصغير للسيوطى، ٣/ ٨٩، رقم: ٦١٨٩).
[٥] - طالوت: ملك أرسله الله إلى بني اسرائيل، و لم يكن من بيت الملك، كان عالما بالعلوم و الحروب، و أمر الله داود- ٧- أن يكون من جنوده، و قد حارب معه و قتل داود جالوت ملك العمالقة الذى كان كافرا، و كان عدوا لهم، و لما قتله اعطاه الله ملك بنى اسرائيل.