سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٢٥ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
و قال الأصمعي[١]: حدثني رجل من أهل المدينة، قال: سمعت محمد ابن إبراهيم يحدث قال: شهدت أبا جعفر[٢] بالمدينة، و هو ينظر فيما بين رجل من قريش، و أهل بيت من المهاجرين ليسوا لقريش، فقالوا لأبي جعفر: اجعل بيننا و بينهم ابن أبي ذئب[٣]، قال أبو جعفر لابن أبي ذئب: ما تقول في بني فلان؟ قال: أشرار من أهل بيت أشرار، قالوا: سله يا أمير المؤمنين عن الحسن بن يزيد- و كان عامله على المدينة- قال: ما تقول في الحسن؟ قال: يأخذ بالإحنة[٤] و يقضي بالهوى. فقال الحسن: و اللّه يا أمير المؤمنين، لو سألته عن نفسك لرماك بداهية و نعتك بشرّ. قال: ما تقول فيّ، قال: اعفني يا أمير المؤمنين. قال: لا بدّ أن تقول، قال: إنك لا تعدل في الرعية، و لا تقسم بالسّويّة. فتغيّر وجه أبي جعفر، فقام إبراهيم بن محمد بن علي- صاحب الموصل- و قال: طهّرني بدمه يا أمير المؤمنين.
قال له ابن أبي ذئب: اقعد يا بني، فليس في دم رجل يشهد أن لا إله اللّه طهور، ثم تدارك ابن أبي ذئب الكلام، فقال: دعنا يا أمير المؤمنين مما نحن فيه، بلغني أنك رزقت ابنا صالحا بالعراق- يعني المهدي- قال: أما إن قلت ذلك، إنّه ليصوم اليوم البعيد ما بين الطرفين[٥]، قال: ثم قام ابن أبي ذئب فخرج. فقال أبو جعفر: أما و اللّه ما هو بمستوثق العقل، و لقد قال بذات نفسه.
[١] - الأصمعي: عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي، راوية العرب و أحد أئمة العلم و اللغة و الشعر و البلدان، نسبته إلى جده أصمع، ولد و توفي بالبصرة ١٢٢- ٢١٦ ه( الأعلام ٤/ ١٦٢).
[٢] - أبو جعفر: أي أبو جعفر المنصور، الخليفة العباسي، سبقت ترجمته.
[٣] - ابن أبي ذئب: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، من بني عامر بن لؤي من قريش، تابعي و من رواة الحديث و من أهل المدينة المنورة، توفي سنة ١٥٨ ه.( الأعلام ٦/ ١٨٩).
[٤] - الإحنة: تجمع على إحن و هي الحقد، نقول: أحن فلان: أي أضمر العداوة و حقد.
[٥] - في هذا القول إشارة إلى أن المهدي أصبح رجلا يصوم النهار الطويل، و الجدير بالذكر أن المهدي بن عبد اللّه المنصور هو الخليفة العباسي الثالث و قد ولد سنة ١٢٧ ه، و حكم بعد أبيه سنة ١٥٨ ه، و توفي سنة ١٦٩ ه.