كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ٢٦٦ - و أما مناقبه و صفاته
فَقَالَ اعْلَمْ أَنَّنِي بَعْدَ أَيَّامٍ آكُلُ عِنَباً وَ رُمَّاناً مَفْتُوتاً فَأَمُوتُ وَ يَقْصِدُ الْخَلِيفَةُ بِأَنْ يَجْعَلَ قَبْرِي وَ مَدْفَنِي خَلْفَ قَبْرِ أَبِيهِ الرَّشِيدِ وَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُقَدِّرُهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَرْضَ تَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ حَفْرَ شَيْءٍ مِنْهَا فَإِنَّمَا قَبْرِي فِي بُقْعَةِ كَذَا لِمَوْضِعِ عَيْنِهِ فَإِذَا أَنَا مِتُّ وَ جُهِّزْتُ فَأَعْلِمْهُ بِجَمِيعِ مَا قُلْتُ لَكَ وَ قُلْ لَهُ يَتَأَنَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَيَّ فَإِنَّهُ يَأْتِي رَجُلٌ عَرَبِيٌّ مُتَلَثِّمٌ عَلَى بَعِيرٍ مُسْرِعٍ وَ عَلَيْهِ وَعْثَاءُ السَّفَرِ[١] فَيَنْزِلُ عَنْ بَعِيرِهِ وَ يُصَلِّي عَلَيَّ فَإِذَا صَلَّى عَلَيَّ وَ خُمِلْتُ فَاقْصِدِ الْمَكَانَ الَّذِي عَيَّنْتُهُ لَكَ فَاحْفِرْ شَيْئاً يَسِيراً مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ تَجِدْ قَبْراً مَعْمُولًا فِي قَعْرِهِ مَاءٌ أَبْيَضَ فَإِذَا كَشَفْتَهُ نَضَبَ الْمَاءُ فَهُوَ مَدْفَنِي فَادْفِنِّي فِيهِ وَ اللَّهَ اللَّهَ أَنْ تُخْبِرَ بِهَذَا قَبْلَ مَوْتِي قَالَ هَرْثَمَةُ فَوَ اللَّهِ مَا طَالَتِ الْإِنَاءَةُ حَتَّى أَكَلَ عِنَباً وَ رُمَّاناً كَثِيراً فَمَاتَ فَدَخَلْتُ إِلَى الْخَلِيفَةِ فَوَجَدْتُهُ يَبْكِي عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَاهَدَنِي الرِّضَا ع عَلَى أَمْرٍ أَقُولُهُ لَكَ وَ قَصَصْتُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْقِصَّةَ الَّتِي قَالَهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا وَ هُوَ يَعْجَبُ مِمَّا أَقُولُهُ فَأَمَرَ بِتَجْهِيزِهِ فَلَمَّا نُجِّزَ[٢] تَأَنَّى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَ إِذَا بِالرَّجُلِ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ مِنَ الصَّحْرَاءِ مُسْرِعاً فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَداً ثُمَّ دَخَلَ إِلَى جَنَازَتِهِ فَوَقَفَ وَ صَلَّى عَلَيْهِ وَ خَرَجَ فَصَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِ وَ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِطَلَبِ الرَّجُلِ فَفَاتَهُمْ فَلَمْ يَعْلَمُوا لَهُ خَبَراً ثُمَّ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُحْفَرَ لَهُ قَبْرٌ خَلْفَ قَبْرِ أَبِيهِ الرَّشِيدِ فَعَجَزَ الْحَافِرُونَ عَنِ الْحَفْرِ فَذَهَبَ إِلَى مَوْضِعِ ضَرِيحِهِ الْآنَ فَبِقَدْرِ مَا كَشَفَ وَجْهَ الْأَرْضِ ظَهَرَ قَبْرٌ مَحْفُورٌ كُشِفَتْ عَنْهُ طَوَابِيقُهُ[٣] وَ إِذَا فِي قَعْرِهِ مَاءٌ أَبْيَضُ كَمَا قَالَ فَأَعْلَمْتُ الْخَلِيفَةَ الْمَأْمُونَ بِهِ فَحَضَرَ وَ أَبْصَرَهُ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَ نَضَبَ الْمَاءُ فَدُفِنَ فِيهِ وَ لَمْ يَزَلِ الْخَلِيفَةُ الْمَأْمُونُ يَعْجَبُ مِنْ قَوْلِهِ وَ لَمْ يَزَلْ عَنْهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ عَمَّا ذَكَرَ وَ ازْدَادَ تَأَسُّفُهُ عَلَيْهِ وَ كُلَّمَا خَلَوْتُ فِي خِدْمَتِهِ يَقُولُ يَا هَرْثَمَةُ كَيْفَ قَالَ لَكَ أَبُو الْحَسَنِ فَأُعِيدُ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ فَيَتَلَّهُف عَلَيْهِ.
[١] الوعثاء: المشقة و التعب.
[٢] نجز الشيء: تم.
[٣] طوابيق جمع طاباق: الآجر الكبير.