كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ٢٥٤ - عدد أولاده و طرف من أخبارهم
و اعتقدوه خطيئة و استغفروا منه أ لا ترى أن بعض عبيد أبناء الدنيا لو قعد و أكل و شرب و نكح و هو يعلم أنه بمرأى من سيده و مسمع لكان ملوما عند الناس و مقصرا فيما يجب عليه من خدمة سيده و مالكه فما ظنك بسيد السادات و ملك الأملاك.
و إلى هذا أشار ع.
إِنَّهُ لَيُرَانُ عَلَى قَلْبِي وَ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ بِالنَّهَارِ سَبْعِينَ مَرَّةً.
و لفظة السبعين إنما هي لعد الاستغفار لا إلى الرين و
قَوْلُهُ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ.
و نظيره إيضاحا من لفظة ليكون أبلغ من التأويل و يظهر من قوله أعقمتني و العقيم الذي لا يولد له و الذي يولد من السفاح لا يكون ولدا فقد بان بهذا أنه كان يعد اشتغاله في وقت ما بما هو ضرورة للأبدان معصية يستغفر الله منها و على هذا فقس البواقي و كلما يرد عليك من أمثالها[١].
[١] و هناك كلام آخر في تصحيح أمثال هذا الدعاء ممّا ورد عنهم عليهم السلام قد استفدته من بعض الاساتيذ دامت بركاته العالية و هو و ان لم تكن في المتانة و القوّة بمثابة ما ذكره المؤلّف( ره) لكن لا باس بذكره و لا يخلو عن الفائدة.
تقريره: ان للعبادة مقامات و لكن مقام لذة للعابد لا تدرك تلك اللذة بالوصف و البيان بل لا بدّ لطالب دركها الوقوف دونه أو الدخول فيه و هذا نظير توصيف حديقة ذات اشجار كثيرة بأن فيها ما تشتهيه الا نفس و تلذ الا عين، من أنواع الفواكه و الثمار و الأنهار و الازهار، فانه لا توجد في نفس المستمع الا صوره خيالية من الحديقة قوامها في الوجود بتوجه النفس و انعدامها بقطع ذلك التوجه، و هذا و هو ان لكل مرتبة من مراتب الوجود خصوصية و حالة لا تدرك الا بالدخول في تلك المرتبة و لا توجد كمالها الا بعد الوصول الى تلك الحالة و ذلك مثل التفرج في البساتين و المزارع في اول الربيع فانه قد يدرك بالتوصيف و البيان شعرا و نثرا من متكلم فصيح فيمكن له توصيفها بحيث يرى المستمع نفسه في وسط تلك البستان الخيالى مثلا و لكن ليست الا أوصاف تنتقش منها صورة خيالية يكون قوامها في الوجود. بتوجه النفس و انعدامها بقطع ذلك التوجه، و اما الدرك الحقيقي فهو لا يوجد الا لمن دخل تلك البساتين^^ و المزارع و وجد لذة التفرج و أكل الثمار و الانتفاع من الأنهار و الازهار عيانا، و قد ثبت في علم الفلسفة أيضا ان درك لذات العالم بتشخص الوجود لا الماهية. و لعلّ هذا أحد اسرار قصة المعراج و سيره( ص) جميع العوالم، فانه لا بدّ لهذا النبيّ إذا أراد أن يصير واجدا لجميع الكمالات السير في جميع العوالم و استكمال جهة الملكوتية و اللاهوتية الكائنة في وجوده( ص) و انسه و ارتباطه مع كل من سكنها حتّى تحصل السنخية و يدرك لذة مراتب الوجود بأسرها و تمامها.
اذا عرفت هذا فنقول: ان العبد الكامل من عبد اللّه في جميع مراتب العبودية و حيث كانت العبادة على اقسام فقسم منها عبادة المخلصين الراجين، و قسم منها عبادة الخائفين العاصين، و كان الامام( ع) طالبا لان يعبد اللّه بالعبودية الكاملة و السير في جميع مراحلها ففى بعض الاحيان نزل نفسه منزلة المذنب العاصى و يذكر في دعائه ما يقوله المرتكب لجميع المعاصى و ليس ذلك الا لما ذكر من درك ملاذ العبادة بجميع اقسامها و الوصول الى كمال العبودية من طرقها بأسرها.
و يشهد لما ذكرنا بل يدلّ عليه قول الامام زين العابدين( ع) في دعائه في التذلل للّه( على ما في الصحيفة الكاملة- الدعاء الثالث و الخمسون-) قال( ع) بعد كلام له ...
قد أوقفت نفسى موقف الاذلاء المذنبين، موقف الاشقياء المتبحرين عليك، المستخفين بوعدك ... الدعاء. و هذا هو المراد في جميع ما ورد في الأدعية من الاعتراف بالذنب و المعصية من هؤلاء المعصومين( ص):