المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٧٩
فقالوا: المسجد اخراج إلى المصلين فيه فقلنا: كذبتم لانهم لا يملكونه بذلك وصلاتهم فيه كصلاتهم في طريقهم في قضاء متملك ولا فرق، وقالوا: انما خرجت عن ملكه بموته فقلنا: فاجيزوا بهذا من أوصى فقال: تخرج دارى بموتى عن ملكى إلى غير مالك ولا فرق لان هذا القول نظير الحبس عندكم في الحياة فوجب أن يكون نظيره في الموت ولا فرق، وقالوا: لما كانت الصدقات لا تجوز الا حتى تحاز وكان الحبس لا مالك له وجب أن يبطل فقلنا: هذا احتجاج للخطأ وقد ابطلنا قولكم: ان الصدقة لا تصح حتى تقبض وبينا أنه رأى من عمر، وعثمان رضى الله عنهما قد خالفهما غيرهما فيه كابن مسعود. وعلى رضى الله عنهما فكيف والحبس خارج إلى قبض الله عزوجل له الذى هو وارث الارض ومن عليها وكل شئ بيده وفى قبضته؟ وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة أبى طلحة لله تعالى دون أن يذكر متصدقا عليه ثم أمره عليه الصلاة والسلام أن يجعلها في أقاربه وبنى عمه وبالله تعالى التوفيق * ومن عجائب الدنيا المخزية لهم احتجاجهم في هذا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ساق الهدى في الحديبية وقلدها وهذا يقتضى ايجابه له ثم صرفها عما أوجبها له وجعلها للاحصار ولذلك أبدلها عاما ثانيا * قال أبو محمد أول ذلك كذبهم في قولهم وهذا يقتضى ذلك ايجابه له وما اقتضى ذلك قط ايجابه لانه عليه الصلاة والسلام لم ينص [١] على انه صار التطوع بذلك واجبا بل أباح ركوب البدنة المقلدة، ومن المحال أن تكون واجبة لوجه ما [٢] خارجة بذلك عن ماله باقية في ماله، ثم كذبوا في قولهم: انه عليه الصلاة والسلام أبدله من قابل فما صح هذا قط، ومن المجال أن يبدل عليه الصلاة والسلام هديا وضعه في حق في واجب ثم أي شبه بين هدى تطوع ينحر عن واجب في الاحصار عن أصحابه وعن نفسه المقدسة في حبس، أما يستحى من هذا مقدار علمه وعقله أن يتكلم في دين الله عزوجل ثم نقول لهم: أنتم تقولون: ان له أن يحبس ثم يفسخه. وقستموه على الهدى المذكور فاخبرونا هل له الرجوع في الهدى بعد أن يوجبه فيبيعه هكذا بلا سبب أم لا؟ فمن قولهم: لا فنقول لهم فهذا خلاف قولكم في الحبس إذ أجزتم الرجوع فيه بلا سبب وظهر هوس قياسكم الفاسد البارد: ويقال لهم: هلا قستموه على التدبير الذى لا يجوز فيه الرجوع عندكم أو هلا قستم قولكم في التدبير على قولكم في الحبس لكن أبى الله تعالى لكم الا خلاف الحق في كلا الوجهين *
[١] في النسخة رقم ١٤ (لم يقض)
[٢] في النسخة رقم ١٤ (لوجوه ما) [ * ]