المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١١٧
ملكه لها وكمال عطيته عليه السلام له إذ عرف عليه الصلاة والسلام عينها أو صفتها أو قدرها ومن هي، فان قيل: فقد رويتم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه عليه السلام اشترى صفية من دحية وقد وقعت في سهمه بسبعة أرؤس قلنا: كلا الخبرين عن أنس صحيح وتأليفهما ظاهر، وقوله: انها وقعت في سهمه انما معناه بأخذه اياها إذ سأل النبي صلى الله عليه وسلم جارية من السبى فقال له: اذهب فخذ جارية وبلا شك أن من أخذ شيئا لنفسه بوجه صحيح فقد وقع في سهمه، وقوله اشتراها عليه السلام بسبعة ارؤس يخرج على احد وجهين أحدهما، أنه عليه السلام عوضه منها فسمى أنس ذلك الفعل شراء، والثانى أن دحية إذ أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: خذ غيرها قد سأله اياها وكان عليه السلام لا يسأل شيئا الا أعطاء فاعطاه اياها فصحت له وصح وقوعها في سهمه ثم اشتراها منه بسبعة ارؤس ولا شك في صحة الخبرين، ولا يمكن الجمع بينهما لصحتهما الا كما ذكرنا، وما لا شك فيه فلا شك فيما لا يصح إلا به وبالله تعالى نتأيد * فان ذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا قلنا: هذه عدة لا عطية وقد أنفذ أبو بكر رضى الله عنه هذه العدة بعد موته عليه السلام وهم لا يختلفون في أن من قال ذلك ثم مات لم ينفد قوله بعد موته وهذا قول سليمان وأصحابنا وبالله تعالى التوفيق * ١٦٢٦ مسألة ومن كان له عند آخر حق في الذمة دراهم أو دنانير أو غير ذلك أو أي شئ كان فقال له: قد وهبت لك مالى عندك أو قال قد أعطيتك مالى عندك أو قال لآخر قد وهبت لك مالى عند فلان أو قال: أعطيتك مالى عند فلان فلا يلزم شئ من ذلك لما ذكرنا لانه لا يدرى ذلك الحق الذى له عند فلان [١] في أي جوانب الدينا هو ولعله في ملك غيره الآن وانما يجوز هذا بلفظ الابراء أو العفو أو الاسقاط أو الوضع، ويجوز أيضا بلفظ الصدقة للحديث الذى رويناه من طريق مسلم نا قتيبة نا ليث هو ابن سعد عن بكير - هو ابن الاشج - عن عياض بن عبد الله عن أبى سعيد الخدرى قال: (أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقوا عليه فهذا عموم للغرماء وغيرهم، فان ذكروا قول الله عزوجل: (لاهب لك غلاما زكيا) قلنا: أفعال الله [٢] تعالى وهباته لا يقاس عليها أفعال خلقه، ولا هباتهم لانه تعالى لا آمر فوقه ولا شرع يلزمه بل يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه فكيف وذلك الغلام الموهوب مخلوق [٣] مركب من نفس موجودة قد تقدم خلقها ومن تراب وما تتغذى به أمه قد تقدم خلق كل ذلك، وكذلك الهواء وقد أحاط الله تعالى علما باعيان كل ذلك بخلاف خلقة والكل
[١] في النسخة رقم ١٤ عنده
[٢] في النسخة رقم ١٦ (قلنا فعل الله)
[٣] في النسخة رقم ١٦ المخلوق موهوب [ * ]