المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٤٣
وأما تخييره الحرة في البقاء تحت زوجها الحر أو فراقه إذا تزوج عليها أمة فقول فاسد لا دليل على صحته ولا نعلم أحدا قال به قبله، وأما منع الشافعي من وجد طولا لنكاح حرة كتابية من نكاح الامة فقول لا تقتضيه الآية فسقطت هذه الاقوال كلها إذ ليست موافقة للقرآن ولا لشئ من السنن * قال أبو محمد: فالمرجوع إليه إذا اختلف السلف رضى الله عنهم هو القرآن قال عز وجل: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشى العنت منكم وان تصبروا خير لكم) فنظرنا في مقتضى هذه الآية فوجدنا فيها حكم من لم يجد الطول وخشى العنت فاباح نكاح الامة المؤمنة له وان الصبر خير لنا فقلنا بذلك كله فنظرنا في حكم من يجد الطول ولم يخش العنت. وفى نكاح المسلم الامة الكتابية فلم نجده فيه أصلا لا باباحة ولا بمنع ولا بكراهة بل هو مسكوت عنه فيها جملة فلم يجز لنا أن نحكم له منها بحكم من لا يجد الطول وخشى العنت وبحكم الامة المؤمنة لانه قياس على ما في الآية والقياس باطل ولم يجز لنا أن نحكم له منها بحكم مخالف لحكم من لا يجد الطول ويخشى العنت وبحكم الامة المؤمنة لانه ليس ذلك في الآية وكلاهما تعد لما في الآية واقحام فيها لما ليس فيها فوجب أن نطلب حكم من يجد الطول ولا يخشى العنت فوجدنا الله تعالى يقول: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن) ووجدنا الله تعالى يقول: (وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم واماءكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) فكان في هذه الآية بيان جلى في اباحة نكاح الكتابيات جملة لم يخص تعالى حرة من أمة، وفى الآية الاخرى اباحة نكاح العبيد من المؤمنين عموما لم يخص تعالى حرة من أمة، واباحة نكاح الاماء المسلمات لم يخص حرا من عبد فكان في هاتين الآيتين بيان نكاح المسلم الغنى والفقير والعبد والحر عموما بكل حال للحرة المسلمة وللكتابية وللامة المسلمة والكتابية ولم يأت قط في سنة ولا في قرآن تحريم شئ من ذلك ولا كراهة فصح قلنا بيقين لا اشكال فيه * ومن عجائب الدنيا اباحة مالك نكاح الحر واجد الطول غير خائف العنت نكاح الامة المسلمة ومنعه اياه نكاح الامة الكتابية وهذا تحكم في التعلق بالآية لا يجوز