المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٣٤
فيما عرف قبل العمى، وما عرف هذا عن أحد قبل ابى حنيفة، وايضا فانه لا يصح عن على لانه من طريق الاسود بن قيس عن اشياخ من قومه أو عن الحجاج بن ارطاة وقد روى عن ابن عباس خلاف ذلك فسقط هذا القول. وأما من أجازه فيما علم قبل العمى ولم يجزه فيما علم بعد العمى فانهم احتجوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه سئل عن الشهادة؟ فقال: ألا ترى الشمس على مثلها فاشهد أو دع) قال أبو محمد: وهذا خبر لا يصح سنده لانه من طريق محمد بن سليمان بن مسمول وهو هالك عن عبيد الله [١] بن سلمة بن وهرام وهو ضعيف لكن معناه صحيح، وقالوا: الاصوات قد تشتبه والاعمى كمن أشهد في ظلمة أو خلف حائط ما نعلم لهم غير هذا * قال أبو محمد: ان كانت الاصوات تشتبه فالصور أيضا قد تشتبه، وما يجوز لمبصر ولا أعمى أن يشهد الا بما يوقن ولا يشك فيه، ومن أشهد خلف حائط أو في ظلمة فأيقن بلا شك بمن أشهده فشهادته مقبولة في ذلك، ولو لم يقطع الاعمى بصحة اليقين على من يكلمه لما حل له أن يطأ امرأته إذ لعلها أجنبية ولا يعطى أحدا دينا عليه إذ لعله غيره ولا أن يبيع من أحد ولا أن يشترى وقد قبل الناس كلام أمهات المؤمنين من خلف الحجاب، فان قالوا: انما حل له وطئ امرأته بغلبة الظن كما يحل له ذلك في دخولها عليه أول مرة ولعلها غيرها قلنا: هذا باطل ولا يجوز له وطؤها حتى يوقن أنها التى تزوج، وقد أمر الله تعالى بقبول البينة ولم يشترط أعمى من مبصر وما كان ربك نسيا. وما نعلم في الضلالة بعد الشرك والكبائر أكبر ممن دان الله برد شهادة جابر بن عبد الله. وابن أم مكتوم. وابن عباس. وابن عمر ونعوذ بالله من الخذلان * ١٨١٥ مسألة وكل من سمع انسانا يخبر بحق لزيد عليه اخبارا صحيحا تاما لم يصله بما يبطله أو بأنه قد وهب أمرا كذا لفلان أو أنه أنكح زيدا أو أي شئ كان فسواء قال له: اشهد بهذا على أو أنا أشهدك أو لم يقل له شيئا من ذلك أو لم يخاطبه أصلا لكن خاطب غيره أو قال له: لا تشهد على فلست أشهدك كل ذلك سواء وفرض عليه أن يشهد بكل ذلك. وفرض على الحاكم قبول تلك الشهادة والحكم بها لانه لم يأت قرآن ولا سنة ولا قول أحد من الصحابة رضى الله عنهم ولا قياس بالفرق بين شئ من ذلك. وقال أبو حنيفة لا يشهد حتى يقال له: اشهد علينا * قال أبو محمد: وكذلك ان قال الشاهد للقاضى: انا أخبرك أو انا أقول لك أو انا اعلمك أو لم يقل انا أشهد فكل ذلك سواء وكل ذلك شهادة تامة فرض على الحاكم الحكم بها
[١] في النسخ كلها عن عبد الله وهو غلط صححناه من ميزان الاعتدال