المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٤٠٩
آخرون فروينا عن الحسن أنه قال: (أو آخران من غيركم) من غير قبيلتكم، وروى عن الزهري نحو هذا وانه قال: من أهل الميراث وانه توقف في ذلك وروى ايضا عن عكرمة، وروينا عن زيد بن أسلم أنها منسوخة، وعن ابراهيم ايضا مثل ذلك * قال أبو محمد: أما دعوى النسخ فباطل لا يحل أن يقال في آية أنها منسوخة لا تحل طاعتها والعمل بها الا بنص صحيح أو ضرورة مانعة وليس ههنا شئ من ذلك ولو جاز مثل هذا لما عجز أحد عن أن يدعى فيما شاء من القرآن انه منسوخ وهذا لا يحل، وأما من قال: من غير قبيلتكم فقول ظاهر الفساد والبطلان لانه ليس في أول الآية خطاب لقبيلة دون قبيلة انما أولها (يا أيها الذين آمنوا) ولا يشك منصف في أن غير الذين آمنوا هم الذين لم يؤمنوا ولكنها من الحسن زلة عالم لم يتدبرها، وقال المخالفون: نحن نهينا [١] عن قبول شهاده الفاسق. والكافر أفسق الفساق فقلنا: الذى نهانا عن قبول شهادة الفاسق هو الذى أمرنا بقبول شهادة الكافر في الوصية في السفر فنقف عند أمريه [٢] جميعا وليس أحدهما بأولى بالطاعة من الآخر. ومن عجائب الدنيا التى لا نظير لها أن المحتجين بهذا هم هم الحنيفيون. والمالكيون، والشافعيون، فأما الحنيفيون فاجازوا شهادة الكافر في كل شئ بعضهم على بعض بغير أمر من الله تعالى بذلك بل خالفوا القرآن في نهيه عن قبول نبأ الفاسق ثم خالفوه في قبول الكافر في السفر فأعجبوا لهذه الفضائح والمضادة لله تعالى * وأما المالكيون فاجازوا شهادة طبيبين كافرين حيث لا يوجد طبيب مسلم بغير أمر من الله تعالى بذلك بل خالفوا القرآن في كلا الوجهين كما ذكرنا، وقال بعضهم: الوصية يكون فيها اقرار بدين فلما نسخ ذلك من الآية دل على نسخ سائر ذلك فقلنا: كذبتم ما سمى الله تعالى قط الاقرار بالدين وصية لان الوصية من الثلث والاقرار بالدين من رأس المال وما دخل قط الاقرار بالدين في الوصية ولا نسخ من الآية شئ، ثم لهم بعد هذا أهذار يشبه تخليط المبرسمين لا معنى لها، وهذا مما خالفوا فيه جمهور العلماء والصحابة ولا مخالف لهم من الصحابة وهم يعظمون ذلك إذا وافق أهواءهم، وذكروا خبرا رويناه من طريق عمر بن راشد اليمامى عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تجوز شهادة ملة على ملة الا ملة محمد فانها تجوز على غيرهم) * قال أبو محمد: عمر بن راشد ساقط، وهذا خبر أول من خالفه أبو حنيفة لانه يجيز شهادة اليهودي على النصراني [٣] ومالك فانه يجيز شهادة الكفار الاطباء على المسلمين ولا ندرى من أين وقع لهم هذا التخصيص للاطباء [٤] دون سائر من يضطر إليه
[١] في النسخة رقم ١٤ قد نهينا
[٢] في النسخة رقم ١٦ عندما امر به
[٣] في النسخة رقم ١٤ اليهود على النصارى
[٤] في النسخة رقم ١٦ وقع لهم تخصيص الاطباء