المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٤٠
من التصرف والتكسب فقط كما أنه لا فرق بين أم الولد والامة الا أنها لا تباع ابدا ولا توهب أبدا ولا تعود إلى حكم الرق أبدا، وقالوا أيضا: هذا المال كان موقوفا لعتق جميعهم فكان كأنه لهم فقلنا: فاجعلوه بينهم على السواء بهذا الدليل ولا تقسموه قسمة المواريث وادخلوا فيه كل من معه في الكتابة بهذا الدليل، وبالجملة فما ندرى كيف انشرحت نفس احد لقبول هذا القول على شدة فساده مع أن اصله فاسد، ولا يجوز أن يكاتب أحد على نفسه وغيره كتابة واحدة لانه شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل وبالله تعالى التوفيق * وأما قول أبى حنيفة فخطأ ظاهر أيضا لانهم مقرون بان المكاتب عبد ما بقى عليه درهم فإذ هو كذلك فانما مات عبدا وإذا مات عبدا فلا يمكن أن تقع الحرية على ميت بعد موته فظهر فساد قولهم جملة، ولا يختلفون فيمن قال لعبده: أنت حر إذا زالت الشمس من يومنا هذا فمات العبد قبل زوال الشمس بدقيقة فانه مات عبدا ولا ترثه ورثته وماله كله لسيده * وأما من قال: ماله كله لسيده فانما بنوا على أنه عبد ما بقى عليه درهم وهذا قول قد بينا بطلانه بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ان المكاتب يشرع فيه العتق بقدر ما أدى ويرث بقدر ما عتق منه فصح أن لذلك البعض حكم الحر ولباقيه حكم العبد في الميراث وفى كل شئ وبالله تعالى التوفيق * وأما حمل المكاتبة فانه ما لم ينفخ فيه الروح فهو بعضها كما قدمنا فله حكمها وأما إذا نفخ فيه الروح فهو غيرها قال تعالى: (ثم أنشأناه خلقا آخر) وهو عند ذلك ذكر وهى أنثى أو أنثى غيرها فليس له ولا لها حكم الام قال الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) فان قيل فهلا أجزتم عتق جميع المكاتب إذ بعضه حر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أعتق شقصا له في مملوك عتق كله) وأوجبتم الاستسعاء بذلك الخبر قلنا: لا يحل ضرب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض ولا أن يترك حكمه بحكم له آخر بل كل احكامه فرض اتباعها وكل كلامه حق مسموع له ومطاع وهو عليه السلام أمر بعتق من أعتق بعضه اما على معتق بعضه ان كان له مال وأما بالاستسعاء وهو عليه السلام خص المكاتب بحكم آخر وهو عتق بعضه وبقاء بعضه رقيقا فقبلنا [١] كل ما أمرنا به ولم نعارض بعضه ببعض ولله تعالى الحمد، ومن تعاطى تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم. الدين فهو أحمق وكلا هذين الحكمين قد صح فيهما اختلاف من سلف وخلف وكلاهما نقل الآحاد الثقات فليس بعضها أولى بالقبول من بعض وبالله تعالى التوفيق *
[١] في النسخة رقم ١٤ فقلنا وهو غلط [ * ]