المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٠٦
عليه بينة ولم يكن له الا الدعوى قضى عليه بالعتق وأما بينه وبين الله تعالى فلا يلزمه لقول الله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) فصح أن السكران لا يعلم ما يقول ومن لا يعلم ما يقول لم يلزمه ما يقول حتى لو كفر بكلام لا يدرى ما هو لم يلزمه ولقوله تعالى: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) والمجنون والسكران والمكره لا نية لهم وكذلك من أخطأ لسانه وليس من هؤلاء احد أخلص لله الدين بما نطق به من العتق فهو باطل، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ) وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (عفى لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وقال أبو حنيفة. ومالك: عتق السكران جائز ولا حجة لهم أصلا الا أنهم قالوا: هو أدخل على نفسه ذلك بالمعصية فقلنا: نعم فكان ماذا؟ ومن أين وجب إذا ادخل على نفسه ذلك بالمعصية أن يلزمه ما لم يلزمه الله تعالى قط؟ وما تقولون فيمن حارب قاطعا للطريق فأصابته ضربة في رأسه خبلت عقله أتجيزون عتاقه؟ وهم لا يفعلون هذا وهو أدخله على نفسه وعمن تزنك عاصيا لله تعالى فقطع لحم ساقيه وكوى ذراعيه عبثا أتجيزون له الصلاة جالسا أم لا؟ لانه أدخل على نفسه ذلك بالمعصية. وعمن سافر في قطع الطريق فلم يجد ماء وخاف ذهاب الوقت أيتيمم أم لا؟ وكل هذا ينقضون فيه هذا الاصل الفاسد، وقال أبو حنيفة: عتق المكره جائز، وقال مالك. والشافعي: لا يلزمه وما نعلم للحنيفيين حجة اصلا إلا آثارا فاسدة في الطلاق خاصة وليس العتاق من الطلاق [١] والقياس باطل، واحتج بعضهم (بثلاث جدهن جد وهزلهن جد) فذكر بعضهم في ذلك العتاق وهو خبر مكذوب، ثم لو صح لم تكن لهم فيه حجة أصلا لاننا لسنا معهم فيمن هزل فأعتق انما نحن معهم فيمن أكره فأعتق، وليس في هذا الخبر على نحسه ووضعه ذكر للاكراه ثم لا يجيزون بيع المكره ولا اقراره ولا هبته وهذا تناقض ظاهر وتمامها في التى بعدها [٢] وبالله تعالى التوفيق * ١٦٧٠ مسألة ومن أعتق إلى أجل مسمى قريب أو بعيد مثل أن يقول أنت حر غدا أو إلى سنة أو إلى بعد موتى أو إذا جاء أبى أو إذا أفاق فلان أو إذا نزل المطر أو نحو هذا فو كما قال وله بيعه ما لم يأت ذلك الاجل فان باعه ثم رجع إلى ملكه فقد بطل ذلك العقد ولا عتق له بمجئ ذلك الاجل ولا رجوع له في عقده ذلك أصلا الا باخراجه عن ملكه لان هذا العتق اما وصية واما نذر وكلاهما عقد صحيح قد جاء النص بالوفاء بهما فلو علق
[١] في النسخة رقم ١٤ (وليس الطلاق من العتاق)
[٢] في النسخة رقم ١٤ (تأخير هذه الجملة) [ * ]