المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٠٤
ثم نظرنا في حديث عمرو بن الشريد عن أبى رافع عن أبيه فوجدناه لا متعلق لهم به لانه ليس فيه الا الجار أحق بصقبه وليس فيه للشفعة ذكر ولا أثر، وقد حدثنا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا أحمد بن زهير نا أبو نعيم الفضل بن دكين نا عبد الله بن عبد الرحمن ابن يعلى بن كعب الثقفى قال: سمعت عمرو بن الشريد يحدث عن الشريد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء أحق وأولى بصقبه) قلت لعمرو: ما صقبه؟ قال: الشفعة قلت: زعم الناس انها الجوار قال الناس: يقولون ذلك فهذا راوي الحديث عمرو بن الشريد لا يرى الشفعة بالجوار ولا يرى لفظ ما روى يقتضى ذلك فبطل كل ما موهوا به، ثم لو صحت هذه الاحاديث ببيان واضح أن الشفعة للجار لكان حكمه عليه الصلاة والسلام. وقوله. وقضاؤه (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) يقضى على ذلك كله ويرفع الاشكال فكيف ولا بيان في شئ منها كما ذكرنا وأكثرها لا يصح ولا ينبغى ان يشتغل بها لسقوط طرقها وبالله تعالى التوفيق * ومن عظيم اقدام المتأخرين في زمانهم واديانهم وعند الله تعالى قول بعضهم في الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) ان هذا اللفظ ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فليت شعرى أين وجدوا هذا؟ ومن أخبرهم به؟ والقوم قد رزقهم الله تعالى من استسهال الكذب في الدين حظا وافرا نعوذ بالله من مثله * وقالوا فيما رويناه من طريق أبى داود نا محمد بن يحيى بن فارس نا الحسن بن الربيع نا ابن ادريس هو عبد الله عن ابن جريج عن ابن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن أو عن سعيد بن المسيب أو عنهم جميعا عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قسمت الارض وحدت فلا شفعة فيها) قالوا: نعم ليست القسمة ولا التحديد موجبين فيها شفعة انما تجب الشفعة بالبيع فكان هذا برهانا قويا على عدم الحياء من وجه قائله فقط وقد أعاذ الله رسوله عليه السلام من أن يتكلم بالسخف وبما لا معنى له، وقد علم كل ذى حس سليم أن الشفعة لا مدخل لها في القسمة فكيف [١] تكون الشفعة في أرض قسمت أترى أحدهما يأخذ مال صاحبه مصادمة؟ هذا محال فكيف وهو خبر مسند مرة ذكر الثقات هذا اللفظ وحده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرة أضافوه إلى لفظ آخر له عليه السلام كما روينا من طريق قاسم بن أصبغ نا عبيد الله بن محمد العمرى نا أبو إبراهيم يحيى بن أبى قتيلة المدنى نا مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة) فظهر فساد الاقوال المذكورة فأشدها فسادا أقوال أبى حنيفة
[١] في النسخة رقم ١٦ (فكيف) [ * ]