تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٣ - سنه احدى و ثلاثمائة
ثم دخلت
سنه احدى و ثلاثمائة
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس) ففيها وافى بغداد على بن عيسى بن داود بن الجراح مقدمه من مكة، و ذلك يوم الاثنين لعشر خلون من المحرم، فمضى به من فوره الى دار المقتدر، فقلد الوزارة و خلع عليه لولايتها، و قلد سيفا، و قبض على محمد بن عبيد الله و ابنيه عبد الله و عبد الواحد فحبسوا و كانوا قد ركبوا في ذلك النهار الى الدار، و وعدوا بان يخلع عليهم و يسلم على بن عيسى اليهم، فسلموا اليه، و وقع الأمر بضد ما ظنوه، و قعد على ابن عيسى لمحمد بن عبيد الله و ناظره فقال له: اخربت الملك، و ضيعت الأموال، و وليت بالعناية، و صانعت على الولايات بالرشوة، و زدت على السلطان اكثر من الف الف دينار في السنه، فقال: ما كنت افعل الا ما أراه صوابا و كان محمد بن عبيد الله فيما ذكر من تسناه يأخذ المصانعات على يدي ابى الهيثم بن ثوابه، و لا يفى بعهد لكل من صانعه برشوه، حتى قيلت فيه اشعار كثيره منها:
وزير ما يفيق من الرقاعه* * * يولى ثم يعزل بعد ساعه
إذا اهل الرشا صاروا اليه* * * فاحظى القوم أوفرهم بضاعة
و ليس بمنكر ذا الفعل منه* * * لان الشيخ افلت من مجاعه
و كان محمد بن عبيد الله قبل ان يستحيل به الحال فيما ذكر اهل الخبر.
و حسن الرأي فيه ذا دهاء و عقل، و كان ابنه عبد الله كاتبا بليغا حسن الكلام مليح اللفظ حسن الخط، جوادا يعطى العطايا الجزيله، و يقدم الأيادي الجليله، وصل عبد الله بن حمدون من ماله في مده ولايته بتسعين الف دينار الى ما وصل به غيره، و اعطاه كثيرا ممن كان امله.
و في هذه السنه رضى عن القاضى محمد بن يوسف، و قلد الشرقيه، و عسكر المهدى و خلع عليه دراعه و طيلسان و عمامة سوداء، و ركب من دار الخليفة الى مسجد الرصافه، فصلى ركعتين، ثم قرئ عليه عهده بالولاية