تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٠٤ - ذكر التقبض على ابن الفرات و ابنه و قتلهما
اكلهم الاعراب، و سلبوا ما بقي معهم مما كان تخباه الناس من أموالهم، و مات اكثر الناس عطشا و جوعا.
و لما صح عند المقتدر ما نال الناس و ناله في رجاله و ماله عظم ذلك عنده و عند الخاصة و العامه، و جل الاغتمام به على كل طبقه، و تقدم الخليفة الى ابن الفرات في الكتاب الى مؤنس الخادم بان يقدم من الرقة ليخرج الى القرمطى و كتب اليه نصر الحاجب بالاستعجال و البدار، فسلك الفرات في خاصته و اسرع في مسيره، و وصل الى بغداد في غره شهر ربيع الاول.
ذكر التقبض على ابن الفرات و ابنه و قتلهما
و في يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الآخر، قبض على على بن محمد ابن الفرات الوزير، و اختفى المحسن ابنه، فاشتد السلطان في طلبته، و عزم على تفتيش منازل بغداد كلها بسببه، و امر بالنداء بهدر دم من وجد عنده و أخذ ماله، و هدم داره، و تشدد على الناس في ذلك التشدد الذى لم يسمع بمثله، فجاء من اعطى نصرا الحاجب خبره، و دله على موضعه، فوجه بالليل من كبسه و اخذه، و قد تشبه بالنساء و حلق لحيته، و تقنع، فاتى به على هيئته و في زيه لم تغير له حال، و ضرب في الليل بالدبادب ليعلم الناس انه قد أخذ، و غدت العامه الى دار الخليفة ليروه، و تكاثر الناس، و ازدحموا للنظر اليه، و هو في ذلك الزي الذى وجد عليه ثم احضر ابو القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد الله الخاقانى فاستوزر، و اقعد، و خلع عليه للوزارة، فاستوزر منه رجل قد تكهل و فهم و جرب، و فارق ما كان عليه في ايام ابيه من الحداثة، و غلب عليه الوقار و السكينة.
و كان مؤنس الخادم هو الذى اشار به، و زين امره و حض المقتدر على استيزاره، فأول ما قعد نصب لمناظرة ابن الفرات و ولده، و محاسبتهما رجلا يعرف بابن نقد الشر، فتشدد عليهما في الأموال فلم يذعنا الى شيء، إذ علما انهما تالفان، و كان في