تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٦٢ - سنه خمس و ثلاثين و ثلاثمائة
فتراجع ابو جعفر عن موضعه، و توقف عن تفسير هذا القول لمعز الدولة، و فطن معز الدولة ان توقفه لامر كره ذكره، فقال لأبي سهل العارض: انظر ما يقول، ففسر له تفسيرا لم يفهم عنه، و لا استوفى القول فيه، و تلجلج في ذكر رجال الحديث حتى استفهم معز الدولة اسماءهم، و قال: هؤلاء اصحاب رسول الله (صلى الله عليه و سلم)؟ فقال ابو الحسن: لا، هؤلاء رجال نقلوا لنا الحديث عنه.
ثم عاد ابو جعفر الى الترجمه بينهما، و قال ابو الحسن: و من اولى ما نظر فيه الأمير و قدمه، سد هذه البثوق التي هي اصل الفساد و خراب السواد، فقال:
و قد نذرت لله عند حضورى في هذه الحضره، الا اقدم شيئا على ذلك، و لو انفقت فيه جميع ما املك، قال: اذن يحسن الله عونك، و يذلل لك كل صعب، و يسهل كل مراد بين يديك.
فلما انقضى القول بينهما في ذاك، قال معز الدولة، اذكر حوائجك، لأتقدم فيها بما اقضى به حقك، قال: الحاجة الحاضره هي الى الله تعالى في ان يطيل بقاءك و يديم علاك، و متى عرضت من بعد حاجه إليك، كان المعول فيها عليك، قال: لا بد من ان تذكر شيئا، قال: حراسه منازلي، فإنها تشتمل على عدد كثير من بنين و بنات و عجائز و اهل و اقارب و اتباع و اصحاب، قال: هذا اقل ما افعله.
و نهض ابو الحسن، و شيعه ابو جعفر و مشى الغلمان بين يديه.
و توفى ابو الحسن بعد عبور معز الدولة، و هزيمته ناصر الدولة بيوم، فمضى ابو عمران موسى بن قتادة، و كان معه مائتا رجل من الديلم، فنزل داره، و ركب الصيمرى إليها، و قد فرغ من تجهيزه، و وضع في تابوته فصلى عليه، و قال لموسى:
اخرج من هذه الدار، فما يجوز نزولك فيها، فقال: لا اخرج، فقال: لا لا امكنك منها، فقال: لا اقبل منك، قال: إذا لم تقبل اكرهتك، و تنابذا بالقول تنابذا تولدت منه فتنه، و اجتمع الى موسى اصحابه، و الى ابى جعفر آخرون.
و عرف معز الدولة ذاك، فبادر لإطفاء النائرة، و قال للصيمرى: ليس هذا وقت ذاك، قال: بلى ايها الأمير، هذا وقته، و متى افتتحنا امرنا بسقوط هيبتنا استمر ذلك و بعد تلافيه، و ازداد الأمر من بعد وهنا، و الطمع استحكاما