تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٩٠ - مقدمة
المحدث و ابى إسحاق الصابى، و اولاده و ابن سنان و غير هؤلاء، و اضفت الى ذلك ما حفظته من شعر الشعراء و حكايات العلماء تشهد بالحال، و اختصرته بجهدى، و لخصته بحسب طاقتي، و اقتصرت فيه على الأمور المشهوره، و الاحوال السائره المأثورة.
و ختمته ببيعه سيدنا و مولانا الامام المستظهر بالله امير المؤمنين، الذى قضى حق الله في بريته، و ارتسم امره في رعيته فمن نظر في فضائله، داوى فكره العليل، و شحذ طبعه الكليل، و ما من احد اوتى ذخيره تحصيل، و بصيره راى اصيل، يبدع في تدوين مناقبه، و لا يغرب في اثبات فضائله، و من قصر في جمعها، فله في انعام المتأمل لذلك مجال يحرسه عن الم التقريع و ثقته تفصح الناظر، و تغنى عن التبذل و المعاذير.
فالرغبه الى الله تعالى في ان يمد ظلال ايامه التي بها اعتدل المائل، و ارتدع الجاهل، و امن السابل، و قصر المتطاول، و ان يجعل له من سيدنا و مولانا عمده الدين عضدا ينوء بقوتها، و يدا تسطو ببسطتها، و ان يبلغه منه قاصيه الايثار و ينيله منه غاية الاختيار و تبديد اعدائه تحت الذلة و الصغار، و الخيبة و الخسار، لا يعتصمون بعصمه الا أباح الله حوزتها، و لا يعتضدون بفرقه الا شتت الله كلمتها.
و من نظر في عزمات سيدنا و مولانا الامام المستظهر بالله امير المؤمنين (رضوان الله عليه) و على آبائه الطاهرين و ابنائه الاكرمين، علم انها تأتي بما لم تقرع الاسماع من قبلها، و لا عثر في السير بمثلها، و تحقق انها ابعد مجدا، و ان كانت اقرب عهدا، و ارفع عمادا، و ان كانت احدث ميلادا، فحفظ الله على الدنيا سياسته، و على أهلها حسن رأفته، حتى تضع له الدنيا خدودها ضارعه و تستجيب لأمره سامعه طائعة، انه ولى ذلك و القادر عليه، بمنه و لطفه.
و لما ختم ابن جرير تاريخه سنه اثنتين و ثلاثمائة، و هي السنه السابعه من خلافه المقتدر بالله رضى الله عنه، و اشار الى الأمور اشاره خفيه، رايت ان ابتدى بخلافته و وقت بيعته، و بالله التوفيق.