تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٦ - سنه خمس و ثلاثمائة
فوجه نصر الى المقتدر يشعره بان ابن الفرات قد حضر الجنازة في جميع اهله و حاشيته، و قال له: ان كنت عازما على انفاذ امرك فيهم، فاليوم امكنك إذ لا تقدر على جمعهم هكذا، فوجه المقتدر: اخر هذا فليس وقته، و خلع بعد جمعه من ذلك اليوم على هارون ابن غريب، و قلد ما كان يتقلد أبوه من الاعمال، و عقد له لواؤه بعد ذلك.
و في هذه السنه مات مصعب بن إسحاق بن ابراهيم يوم الأحد سلخ شعبان، و قد بلغ سنا عاليه، و صلى عليه الفضل بن عبد الملك امام مكة، و كان آخر من بقي من ولد إسحاق بن ابراهيم، و انتهت اليه وصيته، و كان أعيا الناس لسانا و اكثرهم في القول خطلا، و كان طويل اللحية مغفلا الا انه كان صالحا و كتب الحديث و رواه، و له اخبار و كتب مصحفه منها ما كتب به الى اهله من القادسية لما حج و الفى هذا الكتاب بخطه، فحكيته على ألفاظه.
بسم الله الرحمن الرحيم كتابي إليكم من القادسية و كنت قد اغفلت امر الاضاحى فقولوا لابن ابى الورد- يعنى وكيلا له- يشترى لكم ثلاث بقرات يحضيها على احد و عشرين أمهات الأولاد اثنى عشر و ابى و أمي تمام العشرين، و انا آخرهم الحادي و العشرين، فرأيكم في ذلك تعجيله ان شاء الله.
و قال فيه بعض جيرانه من الشعراء:
وصى إسحاق يا بنى صدقه* * * عما قليل سياخذ الصدقه
ضد لإسحاق في براعته* * * يظهر من غير منطق حمقه
و ان اتى بالكلام بدله* * * فقال في حلقه لنا لحقه
و ورد الخبر من فارس بموت إسحاق الاشروسنى، و كان قد تقلد شرطه الجانب الشرقى من بغداد.
و اقام الحج في هذه السنه ابن الفضل بن عبد الملك و أبوه حاضر معه.