تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٠ - أخبار متفرقة
ثم دخلت
سنه ست و تسعين و مائتين
(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)
[أخبار متفرقة]
فمن ذلك ما كان من اجتماع جماعه من القواد و الكتاب و القضاه على خلع جعفر المقتدر، و كانوا قد تناظروا و تأمروا عند موت المكتفي على من يقدمونه للخلافة، و اجمع رأيهم على عبد الله بن المعتز، فاحضروه و ناظروه في تقلدها، فأجابهم الى تولى الأمر، على الا يكون في ذلك سفك دماء و لا حرب، فاخبروه ان الأمر يسلم اليه عفوا، و ان من وراءهم من الجند و القواد و الكتاب قد رضوا به، فبايعهم على ذلك سرا، و كان الراس في هذا الأمر العباس بن الحسن الوزير، و محمد بن داود ابن الجراح، و ابو المثنى احمد بن يعقوب القاضى و غيرهم، فخالفهم على ذلك العباس، و نقض ما كان عقده معهم في امر ابن المعتز، و أحب ان يختبر امر المقتدر، و ان كان فيه محمل للقيام بالخلافة مع حداثة سنه، و كيف يكون حاله معه، و علم ان تحكمه عليه سيكون فوق تحكمه على غيره، فصدهم عن ابن المعتز، و انفذ عقد البيعه للمقتدر على ما تقدم ذكره.
ثم ان المقتدر اجرى الأمور مجراها في حياه المكتفي، و قلد العباس جميعها، و زاده في المنزله و الحظوة و صير اليه الأمر و النهى، فتغير العباس على القواد، و استخف بهم و اشتد كبره على الناس و احتجابه عنهم و استخفافه بكل صنف منهم، و كان قبل ذلك صافى النيه لعامه القواد و الخدم منصفا لهم في اذنه لهم و لقائه ثم تجبر عليهم، و كانوا يمشون بين يديه فلا يأمرهم بالركوب، و ترك الوقوف على المتظلمين، و السماع منهم، فاستثقله الخاصة و العامه، و كثر الطعن عليه، و الانكار لفعله و الهجاء له، فقال بعض شعراء بغداد فيه:
يا أبا احمد لا تحسن بأيامك ظنا* * * و احذر الدهر فكم اهلك املاكا و افنى
كم رأينا من وزير صار في الأجداث رهنا