تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٥٩ - سنه خمس و ثلاثين و ثلاثمائة
سنه خمس و ثلاثين و ثلاثمائة
توفى هذه السنه على بن عيسى بن داود بن الجراح، وزير المقتدر بالله رحمهما الله، و هو من دورقنى.
قال ابو سهل بن زياد القطان: كنت معه لما نفى الى مكة، فدخلناها في حر شديد، و قد كاد يتلف، فطاف و سعى، و جاء فالقى نفسه، و هو كالميت من الحر و التعب، تلق قلقا شديدا، و قال: اشتهى على الله شربه ماء مثلوج، فقلت: سيدنا ايده الله، يعلم ان هذا مما لا يوجد بهذا المكان، فقال: هو كما قلت، و لكن نفسي ضاقت عن ستر هذا القول فاسترحت الى المنى.
قال: و خرجت من عنده، فرجعت الى المسجد الحرام، فما استقررت فيه حتى نشأت سحابه و كثفت و رعدت رعدا شديدا متصلا، ثم جاء مطر شديد و برد كثير، فبادرت الى الغلمان، و قلت: اجمعوا، فجمعنا شيئا كثيرا و ملانا منه جرارا.
فلما كان وقت المغرب و قد حان إفطاره، جئته بذلك، و قلت: أنت مقبل و النكبه ستزول، و من علامات الاقبال انك طلبت ماء ثلج و هذا ما طلبته.
فاخذ يسقى كل من في المسجد من المجاورين و الصوفية السويق بالسكر و البلح، و لم يشرب حتى مضى قطعه من الليل و قد شربوا اجمع، فقال: الحمد لله، ليتنى كنت تمنيت المغفره، بدلا من الثلج، فلعلى كنت أجاب.
و لم أزل به حتى شرب، و مدحه بعض الشعراء فقال فيه:
بحسبك انى لا ارى لك عائبا* * * سوى حاسد و الحاسدون كثير
و انك مثل الغيث اما سحابه* * * فمزن و اما ماؤه فطهور
قال ابن كامل القاضى: سمعت على بن عيسى يقول: كسبت سبعمائة الف دينار، اخرجت منها في وجوه البر ستمائه و ثمانين ألفا.
و حكى هلال بن المحسن، قال: قال ابو على بن محفوظ: لما ورد معز الدولة و ابو جعفر الصيمرى معه الى بغداد، اراد ابو الحسن على بن عيسى الركوب اليه،