تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٩٥ - سنه احدى و خمسين و ثلاثمائة
الحنفي الدار المعروفه بدعلج، في درب ابى خلف، بإزاء داره، فقلت داره، فقلت له: لم أزل اسمع الناس يعظمون شان هذه الدار، و ما أجدها كما وصفت، فقال لي: كان دعلج في هذه الدار، و كان شاهدا و محدثا و عظيم الحال موسرا و كان المطيع لله قد اودع أبا عبد الله بن ابى موسى الهاشمى عشره آلاف دينار قبل إفضاء الخلافه اليه، فتصرف فيها و أنفقها و ادل بالقدره عليها في طلبها، فلما ولى الخلافه، طالبه بها، فوعده بحملها، و رجع الى منزله، و شرع في بيع شيء من املاكه و ثماره فتعذر، فالح المطيع بالمطالبة بالوديعة، فاعتذر بأنها مخبوءه لا يقدر عليها الا بعد ثلاثة ايام، فانظره، فلما حضر وقت الوعد قلق و لم ينم، و لم يتجه له وجه، و خاف ان يحرق به، و لم يعود ثلم جاهه، فركب في بقية الليل بغير غلام، و ترك راس البغله تمشى حيث شاءت، فافضت به الى قطيعه الربيع، فدخلها و عطف الى درب ابى خلف، فإذا دعلج قد خرج و في يده سمكه، فتأمله فقال له: خير، فقال: لا، ا بالله انزل، فنزل و دخل داره و قص قصته، فقال: لا باس، اى نقد كانت الدنانير؟ فقال: النقد الفلاني فقال: يا غلام، اغلق الباب، و حط ما عندك من العين، و اجلس مع الشريف، و انتقد النوع الفلاني الى ان ارجع من الحمام فلما عاد كان الغلام قد انتقد القدر، فجعلها في اكياس، و أنفذها مع غلمانه، ثم قال: اكتب خطك في دفترى، فكتبت خطى بذلك، الى مده اربعه اشهر و انصرفت.
و استدعيت الظرف التي كانت دنانير المطيع فيه، فنقلتها اليه، و ختمتها بالاسريحات التي كانت عليه، فأتاني رسول المطيع، فحملت المال و وضعته بين يديه، و قلت: ان راى امير المؤمنين ان يتقدم بوزنه! فقال: ما افعل ذلك و هي تحت ختمى، فخفت ان يتأمل الختم، فعجلت الى كسره، و حلفت بنعمته لا بد مما تزنه، فوزن.
و اتفق انه دخل من ضيعتى ثلاثة آلاف دينار قبل الأجل، فحضرت عند دعلج و دفعتها اليه، فقال: لا اله الا الله، ايها الشريف، بم استحققت منك هذا! ارتجعه قبل المده فأكون كذابا! فامسكت الدنانير حتى تكاملت في وقتها