تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٦٨ - بلل بلل
فهو مُتَبَلِّلٌ أَثَارَ بمَخَالِبِه الأَرضَ و هو يَزْأَرُ عنْدَ القتالِ قالَ أُمَيَّةُ بنُ أَبي عائِذٍ [١] الهُذَليُّ:
تَكَنَّفنيّ السَّيدَانِ سِيدٌ مَوَاثِبٌ # و سِيد بوالي زَأْرَه بالتَّبَلّلِ [٢]
و جاءَ في أُبُلَّتِه بالضمِ أي قَبيلَتِهِ و عَشِيْرتِه و في ضَبْطِه قصورٌ بالِغٌ، فإنَّ قولَه بالضم يدلُ على أنَّ ما بعْدَه ساكنٌ و اللاَّمُ مُخفَّفة [٣] و ليس كذَلِكَ بل هو بضمَّتينٍ و تشديدِ اللاَّمِ مع فَتْحِها و مَحَلّّ ذِكْرِه في «ا ب ل» ، فإنَّ الأَلفَ أَصْلِيَّة و قد أَشَرْنا له هناك فراجِعْه.
و بل بَلْ حَرْفُ إِضْرابٍ عن الأَولِ للثاني إنْ تَلاَها جُمْلَة كان معنَى الإِضْرابِ إِمَّا الإِبْطالَ ك سُبْحََانَهُ بَلْ عِبََادٌ مُكْرَمُونَ [٤] و إِمَّا الإِنْتقالَ من غَرَضٍ إلى غَرَضٍ آخَرَ كقَوْلِه تعالى: فَصَلََّى `بَلْ تُؤْثِرُونَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا [٥] و إنْ تَلاها مُفْرَدٌ فهي عاطفَةٌ يُعْطَفُ بها الحرفُ الثاني على الأَوَّلِ ثم إنْ تَقَدَّمَها أَمرٌ أَو إيجابٌ كاضْرِبْ زَيْداً بَلْ عَمْراً أَو قامَ زَيدٌ بَلْ عَمْرٌو فهي تَجْعَلُ ما قَبْلَها كالمَسْكوتِ عنه و إنْ تَقَدَّمَها نَفْيٌ أَو نَهْيٌ لتَقْريرِ ما قَبْلَها على حالِهِ و جَعْلِ ضِدِّهِ لِمَا بعدَها و أُجيزَ أَنْ تكونَ ناقِلَةً معنَى النَّفْيِ و النَّهْي إلى ما بعدَها فَيصحُ أَنْ يقالَ ما زَيْدٌ قائماً بَلْ قاعِداً و ما زَيدٌ قائمٌ بَلْ قاعِدٌ و يَخْتَلِفُ المعنَى. و في التَّهْذِيبِ: قالَ المبردُ: بل بَلْ حُكْمُها الاسْتِدْرَاك أَيْنما وَقَعَتْ في جَحْدٍ أو إِيجابٍ. و بلي بَلَى : يكونُ إِيجاباً للمَنْفيِّ لا غيرُ. و قالَ الفَرَّاءُ: بل بَلْ يأتي بمعْنَيْين يكونُ إضراباً عن الأَوَّلِ و إِيجاباً للثاني كقولِكَ عندِي له دينارٌ لا بَلْ دِينَارَان، و المَعْنَى الآخَرَ أَنَّها تُوجِبُ ما قَبْلها و توجبُ ما بعدَها، و هذا يسمَّى الاسْتِدْرَاك لأَنَّه أَرَاده فنَسِيَه ثم اسْتَدْرَكه. و مَنعَ الكوفِيُّون أَنْ يُعْطَفَ بها بعدَ غيرِ النَّهْيِ و شِبْهِهِ لا يقالُ ضَرَبْتُ زيداً بَلْ أَباكَ و قالَ الرَّاغبُ: بَلْ للتَّدَاركِ، و هو ضَرْبان: ضَرْبٌ يناقِضُ ما بعدَه ما قَبْلَه لكن ربّما يقصد[بِه] [٦] لتصْحيحِ الحُكْمِالذي بعْدَه إِبْطال ما قَبْله، و ربَّما قُصِدَ تَصْحيح [٧] الذي قَبْله و إِبْطال الثاني، و منه قَوْلُه تعَالى: إِذََا تُتْلىََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا قََالَ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ* [٨] ... كَلاََّ بَلْ رََانَ عَلىََ قُلُوبِهِمْ مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ [٩] ، أي ليسَ الأَمْرُ كما قالُوا بَلْ جَهلُوا فنبَّه بقولِه:
رََانَ عَلىََ قُلُوبِهِمْ ، على جَهْلِهم و على هذا قَوْله في قصَّة إبْراهيم قََالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هََذََا بِآلِهَتِنََا يََا إِبْرََاهِيمُ؟`قََالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هََذََا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كََانُوا يَنْطِقُونَ [١٠] . و ممَّا قُصِدَ به تَصْحيحَ الأَوَّل و إِبْطال الثاني قَوْلُه: وَ أَمََّا إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهََانَنِ `كَلاََّ بَلْ لاََ تُكْرِمُونَ اَلْيَتِيمَ [١١] أي ليسَ إعْطاؤُهم[المال] [١٢] من الإِكْرامِ و لا مَنْعُهم من الإِهَانَةِ لكن جَهِلُوا ذلِكَ لوضْعِهم المالَ في غيرِ موضِعِه، و على ذلِكَ قَوْله تعَالَى: ص وَ اَلْقُرْآنِ ذِي اَلذِّكْرِ `بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقََاقٍ [١٣] . فإنَّه دَلَّ بقولِه ص وَ اَلْقُرْآنِ ذِي اَلذِّكْرِ أَنَّ القُرْآنَ مَقَرٌّ للتَّذَكُّرِ و أَنْ ليس من امْتِناعٍ القُرْآنِ من الإِصْغاءِ إليه أَنْ ليسَ موضِعاً للذِّكْرِ بَلْ لتَعَزّزِهم و مَشَاقَّتِهِمْ.
و الضَّرْبُ الثاني من بَلْ هو أَنْ يكونَ سَبَباً [١٤] للحكْمِ الأَوَّلِ و زائِداً عليه بما بعدَ بَلْ نحو قَوْله بَلْ قََالُوا أَضْغََاثُ أَحْلاََمٍ بَلِ اِفْتَرََاهُ، بَلْ هُوَ شََاعِرٌ [١٥] فإنّه نبَّه أنَّهم يقُولُون أَضْغاثَ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاه، يزِيْدُون على ذلِكَ بأنَّ الذي أَتى به مُفْترًى افْتَرَاه بأنْ يزِيْدُوا فيَدَّعُوا أَنَّه كذَّابٌ و الشاعِرُ في القُرْآنِ عِبارَةٌ عن الكاذِبِ بالطَّبْعِ و على هذا قَوْله: لَوْ يَعْلَمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاََ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ اَلنََّارَ وَ لاََ عَنْ ظُهُورِهِمْ وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ `بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً [١٦] أَي لو يَعْلَمُون ما هو زائِدٌ على الأَوَّل و أَعْظَم منه و هو أَنْ تَأْتِيَهم بغْتَةً
[١] بالأصل «عائد» بالدالِ، خطأ.
[٢] شرح أشعار الهذليين ٢/٥٣١ برواية: و سيد يتالي.
[٣] الأصل «مخفة» .
[٤] سورة الأنبياء الآية ٢٦.
[٥] سورة الأعلى من الآية ١٥ و ١٦ و بالأصل «تؤثرون بدون همز» .
[٦] زيادة عن المفردات.
[٧] العبارة في المفردات: و ربما قصد به لتصحيح الذي قبله و إبطال الثاني، فمما قصد به تصحيح الثاني و إبطال الأول قوله تعالى: إِذََا تُتْلىََ ...
[٨] سورة القلم الآية ١٥.
[٩] سورة المطففين الآية ١٣.
[١٠] سورة الأنبياء الآيتان ٦٢ و ٦٣.
[١١] الفجر الآية ١٥.
[١٢] زيادة عن المفردات.
[١٣] سورة ص الآية الأولى.
[١٤] المفردات: مبيّناً.
[١٥] سورة الأنبياء الآية ٥.
[١٦] الأنبياء الآيتان ٣٩ و ٤٠.