تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٣٠ - جهل جهل
النَّفْسِ من العِلْمِ و هذا هو الأَصْلُ و قد جَعَلَ ذلِكَ بعضُ المُتَكَلِمينَ مَعْنىً مُقْتَضِياً للأَفْعالِ الخارِجَةِ [١] عن النَّظامِ كما جَعَلَ العِلْمَ معْنىً مُقْتَضِياً للأَفْعالِ الجارِيَةِ على النِّظامِ.
و الثاني: اعْتِقادُ الشيءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيه. و الثالِثُ: فِعْلُ الشيءِ بِخِلافِ ما حَقّه أَنْ يَفْعَلَ سَوَاءً اعتقد فيه اعْتِقاداً صَحِيحاً أَمْ فاسِداً كتَارِكِ الصَّلاة عَمْداً و على ذلِكَ قَوْله تعالَى أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً قََالَ: أَعُوذُ بِاللََّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ [٢] ، فَجَعَلَ فِعْلَ الهزؤ جَهْلاً، و قَوْلُه تعالَى فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهََالَةٍ [٣] و الجاهِلُ يُذْكَرُ تارَةً على سَبِيلِ الذمِ و هو الأَكْثَرُ، و تارَةً لا على سَبِيلِه نَحْو يَحْسَبُهُمُ اَلْجََاهِلُ أَغْنِيََاءَ [٤] أَي من لا يَعْرِفُ حالَهم انْتَهَى.
قلْتُ: و الجَهْلُ على قِسْمَيْن: بَسِيطٌ و مركَّبٌ. فالبَسِيطُ عَدَمُ العِلْمِ عمَّا من شَأْنِه أَنْ يُعْلَم؛ و المركَّبُ اعْتِقَادٌ جازِمٌ غيرُ مطابِقٍ للوَاقِع قالَهُ ابنُ الكَمَالِ و قالَ: العضد أَصحاب الجَهْلِ البَسِيطِ كالأَنْعامِ لِفَقْدِهم ما به يمتازُ الإِنْسانُ عنها بل هم أَضَل لتوجهِهَا نَحْو كَمَالاَتِها و يُعَالجُ بمُلازمَةِ العُلَماءِ ليظهر له نَقْصه عنْدَ مُحَاوَرَاتِهم. و الجَهْلُ المركَّبُ أَنْ قَبْل العلاجِ فبملازمَةِ الرِّياضَات ليطعم لذَّةَ اليَقِين ثم التنبيه على مقدّمة مقدمة بالتدريجِ. و قالَ شَمِرٌ: المَعْرُوفُ من كلامِ العَرَبِ: جَهِلْت الشيءَ إِذا لم تَعْرِفْه، تقولُ: مِثْلي لا يَجْهَل مِثْلَك. و أَمَّا قَوْلُه تعالى إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ [٥] ؛ فَإِنَّه من قَوَلِك: جَهِلَ فلانٌ رَأْيَه.
و جَهِلَ عَلَيه أَظْهَرَ الجَهْلَ كتجاهَلَ أَرَى من نَفْسِه أَنَّه جاهِلٌ .
و هو جاهِلٌ و جَهولٌ ج جُهْلٌ بالضمِ و بضمتينِ و كرُكَّعٍ و جُهَّالٌ كرُمَّانٍ و جُهَلاءُ و هو جاهِلٌ منه أَي جاهِلٌ به غَيْر مُخْتَبرٍ لحالِهِ.
و المَجْهَلَةُ : كمَرْحَلَةٍ ما يَحْمِلُكَ على الجَهْلِ من أَمْرٍ أَو أَرْضٍ أَو خصْلَةٍ و منه الحدِيثُ: الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ و في رِوايَةٍ مَجْهَلَةٌ . و جَهَّلَهُ تَجْهِيلاً نَسَبَهُ إِليه ، و ١٤,٢,٣- قالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزيزِ:
زَعَمَتِ المَرْأَةُ الصَّالحةُ خَوْلَةُ بنْتُ حَكِيم امْرَأَة عُثْمان بن مَظْعُونٍ رَضِيَ اللََّه تعالَى عنهما أَنَّ رَسُولَ اللََّه صلّى اللّه عليه و سلّم، خَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ و هو مُحْتَضِنٌ أَحَد ابنيْ ابْنَتِه و هو يقولُ: و اللََّه إِنَّكُم لتُجَبِّنُون و تُبَخِّلون و تُجهِّلون و إِنَّكُم لمن رَيْحَان اللََّهِ.
أَي يُوقعُه الوَلَد في الجَهْل شغلاً به عن طَلَبِ العِلْم.
و أَرْضٌ مَجْهَلٌ كمَقْعَدٍ لا أَعْلامَ فيها و لا يُهْتَدَى فيها إِلاَّ بالآرام قالَ مُزَاحِمٌ العقيليُّ:
غَدتْ من عليه بعد ما تمّ خمسُها [٦] # تصلّ و عن قيضٍ بزيزاءَ مَجْهَلِ
و الجَمْعُ مَجَاهِل و هي خِلافُ المَعَالِم. و قالَ الرَّاغِبُ:
المَجْهَلُ : الأَمْرُ و الأَرْضُ و الخصْلَةُ التي تَحْمِلُ الإِنْسانَ على الاعْتِقادِ بالشيءِ خِلاف ما هو عليه لا تُثَنَّى و لا تُجْمَعُ. قالَ شيْخُنا: بل ثَنُّوه و جَمَعُوه و ذكَرَهُ عياض في خُطْبةِ الشفاءِ و أَقَرَّه شُرَّاحه و ناهِيْك به.
و اسْتَجْهَلَهُ اسْتَخَفَّهُ قالَ النابِغَةُ الذُّبْيَانيُّ:
دَعاك الهَوى و اسْتَجْهَلَتْك المَنازِلُ # و كَيْفَ تَصابي المَرءِ و الشَّيْبُ شامِلُ؟ [٧]
و في المَثَلِ:
نَزْوَ الفُرارِ اسْتَجْهَلَ الفُرَارا [٨]
أَي إِذا شَبَّ الفَرَارُ أَخَذَ في النَّزَوَانِ فمتى رَآه غَيْره نَزَا لنَزْوِه، يُضْرَبُ لمن تُتَّقَى مصاحبَتُه.
و من المجازِ: اسْتَجْهَلَت الريحُ الغُصْنَ أَي حَرَّكَتْهُ فاضْطَرَبَ. قالَ الرَّاغِبُ: كأَنَّها حَمَلَتْه على تَعَاطِي الجَهْلِ و ذلِكَ اسْتِعارَةٌ حَسَنَةٌ.
و المِجْهَلُ كمِنْبَرٍ و مِكْنَسَةٍ و صَيْقَلٍ و صَيْقَلَةٍ خَشَبَةٌ يُحَرَّكُ بها الجَمْرُ لغَةٌ يمانيةٌ نَقَلَه ابنُ دُرَيْدٍ [٩] ما عدا اللغّةِ الثانيةِ.
و الجاهِلُ : الأَسَدُ الذي يخرق بالفَرِيسةِ قالَ:
[١] في المفردات: الأفعال الجارية على غير النظام.
[٢] البقرة الآية ٦٧.
[٣] الحجرات الآية ٦.
[٤] البقرة الآية ٢٧٣.
[٥] هود الآية ٤٦.
[٦] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: خمسها، و يروى: ظمؤها و هو بمعناه» .
[٧] ديوانه صفحة ٥٨ و اللسان و المقاييس ١/٤٩٠ و الأساس.
[٨] الأساس و اللسان.
[٩] الجمهرة ٢/١١٤.