تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٩ - أصل أصل
و يُرْوَى: خافُوا الأَصِيْلَ و قَدْ أَعْيَتْ.
و أَصِيْلُ : د بالأَنْدَلُسِ كما في العُبَابِ و معجمِ ياقوت، زادَ الأَخِيرُ: قالَ سَعْدُ الخيرِ: ربَّما كانَ من أَعْمَالِ طُلَيْطلة يُنْسَبُ إِليه أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللّه بنُ إِبْرَاهِيم بنَ مُحَمَّدٍ الأَصِيْلِيّ المحدِّث تَفَقَّه بالأَنْدَلُسِ فانْتَهت إِليه الرِّياسةُ و صنَّفَ كتابَ الآثارِ و الدَّلائِل في الخلافِ ثم مَاتَ بالأَنْدَلُسِ في نحو سَنَة تِسْعِين و ثَلَثُمائة، و كانَ والدُه إِبْرَاهِيم أَدِيباً شاعِراً.
*قلْتُ: و أَبُو محمَّدٍ هذا رَاوِيةٌ البُخَارِي، و بهذا سَقَطَ ما اعْتَرَضَه شيْخُنا فقالَ: هذا غَلَطٌ لفظاً و معْنًى، أَمَّا لفظاً فلأَنَّ ظاهِرَه بل صَرَيْحَه أَنَّ البلدَ اسمُه أَصِيل كأَمِيرٍ و ليس كذلِكَ، بل لا يُعْرفُ هذا اللفظُ في أَسْمَاءِ البُلدانِ المَغْرِبيَّةِ أَنْدَلُساً و غَيْرِه، بل المَعْرُوفُ أَصِيلاً بأَلفِ قَصْرٍ بَعْدَ اللامِ، و يقالُ لها أَزيلاً بالزَّاي، و أَمَّا معْنًى فلأَنَّها ليْسَت بالأَنْدَلُسِ و لا ما يَقْرُب منها، بل هي بالعَدْوَةِ قُرْب طَنْجة و بَيْنها و بَيْن الأَنْدَلُسِ البَحْرُ الأَعْظَمُ، و منها الأَصِيْلِيُّ رَاوِيةُ البُخَارِي و غَيْرُ واحدٍ انْتَهَى.
و العَجَبُ من قولِه: بل لا يُعْرَفُ إلى آخِره، و قد أَثْبَتَه ياقوتُ و الصَّاغَانِيُّ و هما حجّةٌ، و كون أَنَّ الأَصِيليّ من البلدِ الذي بالعَدْوةِ كما قَرَّرَه شيْخُنا يُؤَيِّدُه قَوْلُ أَبي الوليدِ بن الفَرَضِيّ فإنَّه ذَكَرَ أَبَا محمَّدٍ الأَصِيليّ المَذْكورِ في الغُرَباءِ الطَّارِئينَ على الأَنْدَلُسِ فقالَ: و من الغُرباءِ في هذا البابِ عَبْدُ اللّهِ بنُ إِبْرَاهِيم بنَ محمَّدٍ الأَصِيْليُّ من أَصِيْلَهُ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ سَمِعْتُه يقُولُ: قَدِمْتُ قُرْطبةَ سَنَة ٣٤٢، فسَمِعْتُ بها من أَحْمَدَ بن مطرّف و أَحْمَدَ بن سَعِيدٍ و غَيْرِهما، و كانَتْ رِحْلتِي إلى المَشْرقِ في مُحَرَّمِ سنَة ٣٥١ و دَخَلْتُ بغدادَ فسَمِعْتُ بها من أَبي بَكْرٍ الشَّافِعِيّ و أَبي بَكْرٍ الأَبْهريّ، و تَفَقَّه هناك لمالِكِ بنِ أَنَس ثم وَصَلَ إلى الأَنْدَلُسِ فَقَرَأَ عليه الناسُ كتابَ البُخَارِي رِوَايَة أَبي زَيْدِ المَرُوْزِيِّ، و تُوفي لإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةٍ، بَقِيَتْ من ذِي الحُجَّةِ سَنَة ٣٩٢، قالَ ياقوتُ: و يحقِّقُ قَوْلَ أَبي الوليدِ أَنَّ الأَصِيليَّ من الغُرَباءِ لا مِنَ الأَنْدَلُسِ كما زَعَمَ سَعْدُ الخَيْرِ ما ذَكَرَه أَبَو عُبَيْدٍ البَكْرِيُّ في المَسَالِكِ و المَمَالِكِ عنْدَ ذِكْرِ بلادِ البَرْبرِ بالعُدْوةِ بالبُرِّ الأَعْظَمِ فقالَ: و مدينةُ أَصِيلَةَ أَوَّلُ مدنِ العَدْوَةِ ممَّا يَلِي الغَرْب و هي في سَهْلَةٍ مِنَ الأَرْضِ حَوْلها رَوَابٍ لطافٌ و البَحْر بِغَرْبيها و جَنُوْبيها و كانَ عَلَيها سُوْرٌ له خَمْسَةٌ أَبْواب، و هي الآنَ خَرَابٌ و هي بغربيِّ طَنْجَةَ بينهما مَرْحَلةٌ فتأمَّلْ. و الأَصِيلُ : من له أَصْلٌ أَي نَسَبٌ: و قالَ أَبُو البَقَاءِ: هو المُتَمَكِّنُ في أَصْلِه . و الأَصِيلُ العاقِبُ الثابِتُ الرأْيِ يقالُ رجلٌ أَصِيلُ الرَّأي أَي مُحْكَمُه. و قد أَصُلَ كَكَرُمَ أَصَالةً و الأَصِيلُ العَشِيُ و هو الوَقْتُ بعْدَ العَصْرِ إلى المَغْربِ ج أُصُلٌ بضمتينِ كقَضِيْبٍ و قُضُبٍ، و أُصْلانٌ بالضمِ كبَعِيرٍ و بُعْرانٍ، و آصالٌ بالمدِ كشَهِيدٍ و أَشْهادٍ و طَوِيٍّ و أَطْواءٍ، و أَصائِلُ كرَبيبٍ و رَبائِبٍ و سَفِينٍ و سَفَائِنٍ قالَ اللَّهُ تَعَالَى: بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ * [١] و شاهِدُ الأَصائِلِ قَوْلُ أَبي ذُؤَيْبٍ الهُذَليُّ:
لعَمْرِي لأَنتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَه # و أَقْعُدُ في أَفْيائِه و الأَصائِلِ [٢]
و قَدْ أَوْرَدَ المصنَّفُ هذه الجموعَ مختلطةً و يمْكِنُ حَمْلُها على القِياسِ على ما ذَكَرْنا، و فيه أُمورٌ:
الأَوَّلُ: أَنَّ الأُصُلَ بضمَّتينِ مُفْردٌ كأَصِيلٍ و عليه قَوْلُ الأَعْشَى:
يوماً بأطْيَبَ مِنْها نَشْرَ رَائِحةٍ # و لا بأحسَنَ مِنْها إذْ دَنَا الأُصُلُ [٣]
نبَّه عليه السهيليُّ و غيرُه.
و الثاني: أنَّ الصَّلاحَ الصَّفَدي ذَكَرَ في تذْكِرَتِه أَنَّ الآصَالَ جَمْعُ أُصُلٍ المُفْرد لا الجَمْع كطُنُبٍ و أَطْنَابٍ.
و الثالِثُ: أَنَّ الأَصَائِلَ جَمْع أَصِيْلة بمعْنَى الأَصِيلِ لا جَمْع أَصِيلِ و قَدْ أَغْفَله المصنِّفُ و قد أَشْبَعَ في تحريرِه الكَلام السهيليّ في الرَّوْضِ في السِّفْرِ الثاني منه فقالَ الأَصَائِلُ جَمْعُ أَصِيْلة و الأُصُل جَمْع أَصِيل ، و ذلك أَنَّ فَعَائِلَ جَمْعِ فَعِيْلة و الأَصِيْلة لغةٌ مَعْرُوفةٌ في الأَصِيل ، و ظنَّ بعضُهم أَنَّ أَصَائِلَ جَمْعُ آصَالٍ على وَزْن أفْعَالٍ، و آصَالٌ جَمْع أُصُل نحو أَطْناب و طُنُب، و أُصُلٌ جَمْع أَصِيل مِثْل رَغِيْف و رُغُف، فأَصَائِلُ على قولِهم جَمْعُ جَمْعِ الجَمْعِ و هذا خَطَأُ بَيِّنٌ من وُجُوهٍ منها: أَنَّ جَمْعَ جَمْعِ الجَمْع لم يُوجدْ قَطُّ في الكَلامِ فكيفَ يكونُ هذا نَظِيرهُ، و من جِهَةِ القِياسِ إذا كَانُوا لا يَجْمَعُونَ الجَمْعَ الذي ليس لأَدْنَى العَدَدِ فأَحْرَى أَنْ لا
[١] الرعد الآية ١٥ و الأعراف الآية ٢٠٥ و النور الآية ٣٦.
[٢] ديوان الهذليين ١/١٤١ برواية:
و أجلس في أفيائه بالأصائل.
[٣] ديوانه ط بيروت ص ١٤٥.