كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٧٣٨ - حرف الهاء (ه)
و الرابع أن يكشف على قلوبهم السّرائر و يريهم الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام أو المنامات الصادقة، و هذا قسم يختصّ بنيله الأنبياء و الأولياء، و إيّاه عنى بقوله أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [١] و قوله وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [٢]. و عند المعتزلة الدلالة الموصلة إلى المطلوب. و قيل هذا المعنى مختار الأشاعرة و المعنى الأول مختار المعتزلة و هذا خلاف المشهور. قال أبو الفتح في حاشية الحاشية الجلالية هذا عند الجمهور، و أمّا عند أهل الحقّ فالهداية مشتركة بين المعنيين المذكورين انتهى. ثم إنّه نقض المعنى الثاني بقوله تعالى وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى إذ على هذا معنى هديناهم أوصلناهم إلى المطلوب، و حينئذ لا يمكن استحباب العمى على الهدى. و يمكن دفع النقض من التعريفين بالتجوّز في الآيتين. و قيل في بعض حواشي البيضاوي إنّ الهداية موضوعة للقدر المشترك بين المعنيين لأنّها مستعملة في كلّ منهما كقوله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ و قوله تعالى وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ الآية، فالقول بكونها موضوعة لأحدهما بخصوصه يوجب الاشتراك أو الحقيقة و المجاز و الأصل ينفيهما. و لذا قال المحقّق البيضاوي الهداية دلالة بلطف و لذلك لا يستعمل إلّا في الخير انتهى. و أيضا قال الإمام الرازي الهدى و الهداية الدلالة المطلقة، و قيل الهداية قد تتعدّى بنفسها إلى المفعول الثاني لفظا كما في قوله تعالى لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أو تقديرا كما في قوله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي لا تهدي من أحببت الحقّ، و معناها حينئذ الايصال إلى المطلوب، و لا تسند إلّا إلى اللّه تعالى، و قد تتعدّى بالحرف أي بإلى أو للام لفظا كما في قوله تعالى وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [٣] و قوله تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، أو تقديرا كما في قوله تعالى وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ أي هديناهم للحقّ أو إلى الحقّ، و معناها حينئذ الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب فتسند تارة إلى النبي و تارة إلى القرآن. و لا بدّ من بيان الفرق بين التفسيرين فنقول: قال في بعض حواشي شرح المطالع: و ذهب جميع الناظرين في التعريفين إلى الفرق بينهما باعتبار الوصول إلى المطلوب في الثاني دون الأول بأن يكون معنى التعريف الثاني هو الدلالة على طريق و التعريف له على وجه يفضي ذلك إلى المطلوب. و معنى التعريف الأوّل هو تعريف الطريق الذي يوصل ذلك الطريق إلى المطلوب لا أنّ الدلالة عليه تفضي إلى المطلوب. و اعترض بأنّه إن أريد بالإيصال المذكور في التعريفين الإيصال بالفعل أو بالقوة فيهما فلا فرق و كونه في أحدهما صفة للطريق و في الآخر للدلالة لا يوجب ذلك، و إن أريد به في أحدهما الإيصال بالقوة و في الآخر بالفعل فتحكم. و أجيب بأنّ المراد في كليهما الإيصال بالفعل و كون الإيصال في أحدهما صفة للطريق و في الآخر للدلالة دالّ على الفرق، لأنّ كون الطريق موصلا بالفعل لا يوجب كون المهدي بهذه الهداية واصلا إلى المطلوب بالفعل، إذ يكفي لكون ذلك الطريق موصلا بالفعل أن يكون موصلا لأحد في وقت من الأوقات، سواء كان لذلك المهدي الذي الكلام فيه أو لغيره، بخلاف ما إذا كانت الدلالة موصلة بالفعل فإنّ إيصال هذه الدلالة لا تعقل لغير صاحبها. قال و الأظهر عندي أنّ وصف الدلالة
[١] الانعام/ ٩٠
[٢] العنكبوت/ ٦٩
[٣] الشورى/ ٥٢