كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٤١٦ - التقسيم
الألواح المعهودة، و لا استحالة فيه لأنّ الكائنات عندنا متناهية فلا يلزم عدم تناهي اللوح المذكور في المقدار. عن ابن عباس رضي اللّه عنه هو لوح من درّة بيضاء طوله ما بين السماء إلى الأرض و عرضه ما بين المشرق و المغرب. و قال الإمام الغزالي في الإحياء [١] هو أعلم أنّ لوح اللّه تعالى لا يشبه لوح الخلق كما أنّ ذات اللّه تعالى و صفاته لا يشبه ذات الحقّ و صفاته، بل ثبوت المقادير في اللوح مضاهي ثبوت كلمات القرآن و حروفه في دماغ حافظ القرآن و قلبه، فإنّه منظور فيه حتى كأنّه حيث يقرأ ينظر إليه و لو فشت عن دماغه جزء فجزء لم يشاهد هذا الحظّ فيمن هذا الحظ.
و عند الحكماء هو العقل الفعّال المنتقش بصور الكائنات على ما هي عليه، منه ينطبع العلوم في عقول الناس، و في شرح إشراق الحكمة أنّ العقل الفعّال هو المسمّى بجبرئيل في لسان الشريعة. و في شرح المقاصد أنّ اللوح العقل الأول، و لعل المراد الأول بالنسبة إلينا و هو العقل الفعّال بعينه فإنّه لا يجوز أن يثبت الصور الكثيرة في العقل الأول لأنّه يبطل إذ ذاك قولهم الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد. ثم هذا عند المشّائين النافين للنفس المجرّدة في الأفلاك المقتصرين على إثبات النفوس المنطبعة فيها، إذ الكلّيات لا ترتسم في تلك النفوس عندهم، و اللوح المحفوظ لا بد أن ترتسم فيها صور جميع الموجودات، و الجزئيات ترتسم في العقل عندهم، و إن كان على وجه كلّي. و أمّا عند متأخّري الفلاسفة المثبتين للنفس المجرّدة في الأفلاك فاللوح المحفوظ هو النفس الكلّي للفلك الأعظم يرتسم فيها الكائنات ارتسام المعلوم في العالم، هذا كله خلاصة ما في التلويح و ما ذكر الچلپي في حاشيته و حاشية شرح المواقف. و قال أيضا في حاشية التلويح يريد الحكماء باللوح و الكتاب المبين العالم العقلي انتهى. و عند الصوفية عبارة عن نور إلهي حقّي متجلّ في مشهد خلقي انطبعت الموجودات فيه انطباعا أصليا فهي أم الهيولى لأنّ الهيولى لا تقتضي صورة إلّا و هو منطبع في اللوح المحفوظ فإذا اقتضت الهيولى صورة ما وجد في العالم على حسب ما اقتضته الهيولى من الفور و المهلة لأنّ القلم الأعلى جرى في اللوح المحفوظ بإيجادها حسب ما اقتضته الهيولى.
و اعلم أنّ النور الإلهي المنطبع فيه الموجودات هو المعبّر عنه بالعقل الكل كما أنّ الانطباع في النور هو المعبّر عنه بالقضاء و هو التفصيل الأصلي الذي هو مقتضى الوصف الإلهي المعبّر عن مجلاه بالكرسي. ثم التقدير في اللوح هو الحكم بإبراز الخلق على الصورة المعينة و الحالة المخصوصة في الوقت المفروض و هذا هو المعبّر عن مجلاه بالقلم الأعلى، و هو في اصطلاحنا معاشر الصوفية العقل الأول مثاله قضى الحقّ بإيجاد زيد على الهيئة الفلانية في الزمان الفلاني، و الأمر الذي اقتضى هذا التقدير في اللوح هو القلم الأعلى و هو المسمّى بالعقل الأول، و المحلّ الذي وجد فيه بيان هذا الاقتضاء هو اللوح المحفوظ المعبّر عنه بالنفس الكلّي. ثم الأمر الذي اقتضى إيجاد هذا الحكم في الوجود هو مقتضى الصفات الإلهية المعبّر عنه بالقضاء و مجلاه هو الكرسي، فاعرف ما المراد بالقلم و اللوح و القضاء و القدر. ثم اعلم أنّ علم اللوح المحفوظ نبذة من علم اللّه أجراه اللّه تعالى على قانون الحكمة الإلهية على حسب ما اقتضته حقائق الموجودات الخلقية، و للّه علم وراء ذلك هو حسب ما اقتضته الحقائق الحقّية برز على نمط اختراع القدرة في الوجود لا
[١] احياء علوم الدين لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي (٥٠٥ ه/ ١١١١ م). كشف الظنون ١/ ٢٣، بروكلمان ١/ ٤٢١- ٤٢٦، معجم المؤلفين ١١/ ٢٦٦.