كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٤٥٠ - فائدة
مثلا إذا طلب رجل شيئا ضيّعه قبل ذلك تقول له: ضيّعت اللّبن بالصيف بكسر تاء الخطاب لأنّ المثل قد ورد في امرأة، و ذلك لأنّ الاستعارة يجب أن يكون لفظ المشبّه به المستعمل في المشبّه، فلو تطرق تغيّر إلى الأمثال لما كان لفظ المشبّه به بعينه فلا يكون استعارة فلا يكون مثلا. و تحقيق ذلك أنّ المستعار يجب أن يكون اللفظ الذي هو حقّ المشبّه به، أخذ منه عارية للمشبّه، فلو وقع فيه تغيير لما كان هو اللفظ الذي يختصّ المشبّه به فلا يكون أخذ منه عارية. و ينبغي أن لا يلتبس عليك الفرق بين المثل و الإشارة إلى المثل كما في ضيّعت على صيغة المتكلّم فإنّه مأخوذ من المثل و إشارة إليه فلا ينتقض به الحكم لعدم تغيّر الأمثال. و للأمثال تأثير عجيب في الآذان و تقرير غريب لمعانيها في الأذهان. و لكون المثل مما فيه غرابة استعير لفظه للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن عجيب و نوع غرابة كقوله تعالى مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [١] أي حالهم العجيب الشأن. و كقوله وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى [٢] أي الصفة العجيبة.
و كقوله مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [٣] أي فيما قصصنا عليكم من العجائب قصّة الجنة العجيبة، هكذا من المطول و حاشيته لأبي القاسم و الأطول.
فائدة:
في الإتقان أمثال القرآن قسمان: ظاهر مصرّح به كقوله مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [٤] الآيات ضرب فيها للمنافقين مثلين مثلا بالنار و مثلا بالمطر، و كامن. قال الماوردي:
سمعت أبا إسحاق ابراهيم بن مضارب بن إبراهيم [٥] يقول: سمعت أبي يقول: سألت الحسين بن الفضل [٦] فقلت: إنّك تخرّج أمثال العرب و العجم من القرآن. فهل تجد في كتاب اللّه خير الأمور أوسطها؟ قال: نعم، في أربعة مواضع. قوله لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [٧] و قوله وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [٨] و قوله وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [٩]، و قوله وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ [١٠] الآية. قلت فهل تجد فيه من جهل شيئا عاداه؟
قال: نعم، في موضعين بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [١١] وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [١٢]. قلت فهل تجد فيه: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين [١٣]. قال هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ [١٤]. قلت: فهل تجد فيه قولهم لا تلد الحيّة إلّا الحية؟ قال: وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً
[١] البقرة/ ١٧
[٢] الروم/ ٢٧
[٣] الرعد/ ٣٥
[٤] البقرة/ ١٧
[٥] من علماء اللغة و علوم القرآن، لم نعثر له على ترجمة.
[٦] الحسين بن الفضل توفي عام ٢٨٢ ه. و قد سبقت ترجمته.
[٧] البقرة/ ٦٨
[٨] الفرقان/ ٦٧
[٩] الاسراء/ ٢٩
[١٠] الاسراء/ ١١٠
[١١] يونس/ ٣٩
[١٢] الأحقاف/ ١١
[١٣] صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب لا يلدغ المؤمن، ح ١٥٧، ٨/ ٥٩
[١٤] يوسف/ ٦٤