كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٤٥٨ - فائدة
إلى غير المفعول به مجازا مبني على أنّ وضع ذلك الفعل لإفادة إيقاعه على ما أسند إليه، فحينئذ إذا صحّ جلس الدار يشبه تعلّق الظرفية بتعلّق المفعول [به] [١] و وضعه مقامه و إبرازه في صورته تنبيها على قوته، فإنّ أقوى تعلّقات الفعل بعد التعلّق بالفاعل تعلّقه بالمفعول به.
و لا يجب أن يكون هناك مفعول به محقّق بل يكفي توهّمه و تخيّله، فضرب الدار لا معنى له إلّا جعله مضروبا و لا يتأتّى فيه تفصيل. نعم يشكل الأمر في نحو ضرب في الدار و ضرب للتأديب فإنّه لا يظهر جعل الدار مضروبة مع وجود في بل يتعيّن جعلها مضروبا فيها، و لا يظهر جعل التأديب إلّا مضروبا له فلا تجوّز فيهما بل هما حقيقتان، هذا إذا جعل نحو في الدار ظرفا و نحو للتأديب مفعولا له كما هو مذهب ابن الحاجب. و أمّا لو جعل مفعولا به بواسطة حرف الجرّ كما هو المشهور بين الجمهور فلا إشكال، هذا كله خلاصة ما في الأطول.
التقسيم:
المجاز العقلي أربعة أنواع لأنّ طرفيها إمّا حقيقيان نحو أنبت الربيع البقل أو مجازيان نحو فما ربحت تجارتهم أي ما ربحوا فيها، و إطلاق الربح في التجارة هاهنا مجاز، أو أحد طرفيه حقيقي فقط. أمّا الأول أو الثاني كقوله تعالى:
أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً [٢] أي برهانا، و قوله تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [٣] فاسم الأم لهاوية مجاز أي كما أنّ الأم كافلة لولدها و ملجأ له كذلك النار للكفار كافلة و مأوى. و بالجملة فالمجاز العقلي لا يخرج الظرف عما هو عليه من الحقيقة و المجاز، و لا خفاء في وقوعه في القرآن كما عرفت و إن أنكره البعض. ثم هو غير مختصّ بالخبر بل يجري في الإنشاء أيضا نحو يا هامان ابن لي صرحا كذا في الأطول و الاتقان. و هذا التقسيم يجري في الحقيقة العقلية [٤] أيضا كما صرّح السّيّد السّند في حاشية المطول.
فائدة:
لا بدّ في المجاز العقلي من الصرف عن الظاهر بتأويل إمّا في المعنى أو في اللفظ، أمّا المسند أو المسند إليه أو في الهيئة التركيبية الدالة على الإسناد. الأول أن لا مجاز في المعنى بحسب الوضع أصلا لا في المفرد و لا في المركّب بل بحسب العقل بأن أسند الفعل إلى غير ما يقتضي العقل إسناده إليه تشبيها له بالفاعل الحقيقي، و هذا التشبيه ليس هو التشبيه الذي يفاد بالكاف و نحوها، بل هي عبارة عن جهة راعوها في إعطاء الربيع حكم القادر المختار كما قالوا: شبّه كلمة ما بليس فرفع بها الاسم و نصب الخبر، فلا يتوهّم أن يكون هناك حينئذ مجاز وضعي علاقته المشابهة بل عقلي، و هذا قول الشيخ عبد القاهر و الإمام الرازي و جميع علماء البيان. الثاني أنّ المسند مجاز عن المعنى الذي يصحّ إسناده إلى المسند إليه المذكور و هو قول الشيخ ابن الحاجب. الثالث أنّ المسند إليه استعارة بالكناية عما يصحّ الإسناد إليه حقيقة و إسناد الإنبات [٥] إليه قرينة لهذه الاستعارة و هو قول السّكاكي. الرابع أنّه لا مجاز في شيء من المفردات بل في التركيب
[١] [به] (+ م)
[٢] الروم/ ٣٥
[٣] القارعة/ ٩
[٤] العقلية (- م)
[٥] الإثبات (م)