كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٦٩٨ - فائدة
جهة أنّ المتكلّم قصد إلى التلفظ لإفادة معناه غير مسوق من جهة أنّ المتكلّم إنّما ساقه لإتمام بيان ما هو المقصود الأصلي إذ لا يتأتّى ذلك إلّا به، فوضح الفرق من القسمين الأخيرين و هو أنّ المتوسط يصلح أن يصير مقصودا أصليا في السوق بأن انفرد عن القرينة و القسم الأخير لا يصلح لذلك أصلا. إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المراد هاهنا من كون الكلام مسوقا لمعنى أن يدلّ على مفهومه مطلقا سواء كان مقصودا أصليا أو لم يكن، لا أن يدلّ على مفهومه مقيدا بكونه مقصودا أصليا كما في الظاهر و النّصّ، فدخل القسم المتوسط هاهنا في السوق و لم يدخل في الظاهر و النّصّ. فإذا تمسّك أحد في إباحة النكاح بقوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ الآية كان استدلالا بعبارة النّصّ لا بإشارته، فيدخل الظاهر و النّصّ في عبارة النّصّ، و هذا على رأي من ذهب إلى المباينة بين الظاهر و النّصّ. و أمّا من يجعل الظاهر أعمّ من النّصّ فيقول بتساوي الظاهر و العبارة و دخول النّصّ في العبارة. و قيل بالفرق بأنّ السوق و عدم السوق في النّصّ و الظاهر يتعلّقان بالمتكلّم و هما في العبارة و الإشارة يتعلّقان بالسامع، و الحكم يختلف بحسب اختلاف المتعلّق و بأنّ العبارة أعمّ من النّصّ لأنّ النّصّ المسوق لحكم يسمّى عبارة، سواء كان محتملا للتخصيص و التأويل أو لم يكن محتملا، و سواء احتمل النسخ أو لا، و أمّا تسميته نصّا فمشروط بشرط أن يكون احتمال التأويل و التخصيص فيه ثابتا لأنّه إذا انقطع هذا الاحتمال يسمّى مفسّرا، و بأنّ النظم المسوق بالنظر إلى نفس الكلام يسمّى نصّا، و بالنظر إلى استدلال المستدل به يسمّى عبارة. فالنّصّ و العبارة و إن كان كلّ واحد منهما واحدا لكن باختلاف الاعتبار اختلف اسمهما فسمّي نصّا باعتبار الكلام و سمّي عبارة باعتبار استدلال المستدلّ به، و كذا في الظاهر تسميته إشارة باعتبار المستدلّ و تسميته ظاهرا باعتبار آخر.
و بالجملة فعبارة النّصّ دلالته على المعنى المسوق له، و إشارة النّصّ دلالته على المعنى الغير المسوق له، و دلالة النّصّ دلالته على حكم ثبت بمعناه أي بمعنى النّصّ لغة لا اجتهادا و لا استنباطا و يسمّيها عامة الأصوليين فحوى الخطاب أي معناه، و قد يسمّى لحن الخطاب أي معناه و يسمّيها نفس أصحاب الشافعي مفهوم الموافقة. فقولهم لغة تمييز أي ثبت بمعناه اللغوي لا بمعناه الشرعي، ليس المراد المعنى الذي يوجبه ظاهر النظم فإنّ ذلك من قبيل العبارة بل المعنى الذي أدى إليه الكلام كالإيلام من الضرب فإنّه يفهم من اسم الضرب لغة لا شرعا، بدليل أنّ كلّ لغوي يعرف ذلك المعنى ثابتا بالضرب. و لهذا قيل دلالة النّصّ ما يعرفه أهل اللغة بالتأويل في معاني اللغة مجازها و حقيقتها فإنّ الحكم إنّما يثبت بالدلالة إذا عرف المعنى المقصود من الحكم المنصوص كما عرف أنّ المقصود من تحريم التأفيف و النّهر في قوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما [١] كفّ الأذى عن الوالدين لأنّ سوق الكلام لبيان احترامهما فيثبت الحكم في الضرب و الشّتم بطريق التنبيه، و لو لا هذه المعرفة لما لزم من تحريم التأفيف تحريم الضرب و الشّتم إذ لا تقول و اللّه ما قلت بفلان أفّ و قد ضربته. ثم إن كان ذلك المعنى المقصود معلوما قطعا كما في تحريم التأفيف فالدلالة قطعية، و إذا احتمل أن
- الكلب ... البغي، و حلوان الكاهن) و ذكره الزيلعي في نصب الراية كتاب البيوع باب مسائل منشورة، الحديث الأول ٤/ ٥٢، و عزاه لابن حبّان في صحيحه في القسم الأول. و وجدناه في كتاب ابن بابان الاحسان بتقريب صحيح ابن حبان، كتاب الإجارة، باب الزجر عن كسب البغية و حلوان الكاهن، ح ٥١٣٥، ٧/ ٣٠٧، بلفظ البخاري. و ذكره الخطابي في معالم السنن و الآثار، كتاب البيوع، باب ثمن الكلب ٣/ ١٣٢، موقوفا على أبي هريرة رضي اللّه عنه ....
[١] الإسراء/ ٢٣