كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٦٦٠ - التقسيم
لا في محلّ النطق بأن يكون حكما لغير المذكور و حالا من أحواله. ثم المنطوق على قسمين: صريح و هو ما وضع اللفظ له فيدلّ عليه بالمطابقة أو بالتضمّن، و غير صريح و هو ما لم يوضع اللفظ له بل يلزم ما وضع له فيدلّ عليه بالالتزام، و غير الصريح ينقسم إلى دلالة اقتضاء و إيماء و إشارة لأنّه إمّا أن يكون مقصودا للمتكلم فذلك بحكم الاستقراء قسمان: أحدهما أن يتوقّف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه و يسمّى دلالة الاقتضاء. أمّا الصدق فنحو (رفع عن أمتي الخطأ و النّسيان) [١]، أي مؤاخذة الخطاء و النسيان إذ لو لم يقدر المؤاخذة و نحوها لكان كاذبا لأنّهما لم يرفعا. و أمّا الصحة العقلية فنحو وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ [٢] إذ لو لم يقدّر أهل القرية لم يصح عقلا لأنّ سؤال القرية لا يصحّ عقلا. و أمّا الصحة الشرعية فنحو قول القائل: اعتق عبدك عني بألف لأنّه يستدعي تقدير الملك أي اجعله ملكا لي على ألف لأنّ العتق بدون الملك لا يصحّ شرعا. و ثانيهما أن يقترن بحكم لو لم يكن للتعليل لكان بعيدا، أي يقترن الملفوظ الذي هو مقصود للمتكلم بحكم أي وصف لو لم يكن ذلك الحكم أي الوصف لتعليل ذلك المقصود لكان اقترانه به بعيدا، فيفهم منه التعليل و يدلّ عليه، و إن لم يصرّح به و يسمّى تنبيها و إيماء كما مرّ، و إن لم يكن مقصودا للمتكلم سمّي دلالة إشارة كقوله عليه الصلاة و السلام في النساء (إنّهن ناقصات عقل و دين. فقيل: و ما نقصان دينهن؟ قال: يمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلّي) [٣]، أي نصف دهرها، فدلّ على أنّ أكثر الحيض خمسة عشر يوما و كذا أقل الطهر، و لا شكّ أنّ بيان ذلك غير مقصود، لكن لزم من حيث أنّه قصد المبالغة في نقصان دينهن، و المبالغة تقتضي ذكر أكثر ما يتعلّق به الفرض. فلو كان زمان ترك الصلاة و هو زمان الحيض أكثر من ذلك أو زمان الصلاة و هو زمان الطهر أقلّ من ذلك لذكره. و بالجملة فالمنطوق يشتمل الصريح و غير الصريح، فدلالة لا تقل لهما أف على تحريم التأفيف منطوق صريح و على تحريم الضرب مفهوم، و دلالة يمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلّي على أنّ أكثر الحيض و أقلّ الطهر خمسة عشر يوما منطوق غير صريح. هذا لكن بين المفهوم و غير الصريح من المنطوق محل تأمّل.
اعلم أنّ المنطوق و المفهوم من أقسام الدلالة، لكن عبارات القوم صريحة في كونهما من أقسام المدلول كما قال الآمدي: المنطوق ما فهم من اللفظ نطقا أي في محل النطق، و المفهوم ما فهم من اللفظ في غير محل النطق، و هكذا وقع في الإتقان. ثم صاحب الإتقان قسّم المنطوق و قال إن أفاد المنطوق معنى لا يحتمل غيره فالنّصّ، أو مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا فالظاهر انتهى. و قد يقال إنّ لفظ ما هاهنا مصدرية، فالمنطوق أن يدلّ اللفظ أي دلالة اللفظ على معنى في محلّ النطق أي
[١] أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، موسوعة أطراف الحديث، ٥/ ١٤٧. و عزاه إلى ابن حجر في تلخيص الحبير، ١/ ٢٨١.
سنن ابن ماجة، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره و الناسي، ح ٢٠٤٣، ١/ ٦٥٩. بلفظ: «إن اللّه تجاوز عن أمتي الخطأ و النسيان».
[٢] يوسف/ ٨٢
[٣] صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الايمان بنقص الطاعات، ح ١٣٢، ١/ ٨٦ بلفظ:
يا معشر النساء تصدقن و أكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقالت امرأة منهن جزلة: و ما لنا يا رسول اللّه أكثر أهل النار، قال: تكثرن اللعن و تكفرن العشير. و ما رأيت من ناقصات عقل و دين أغلب لذي لب منكن» قالت يا رسول اللّه و ما نقصان العقل و الدين؟ ...