كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣١٠ - فائدة
التنزيل طريقان أحدهما أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم انخلع من الصورة البشرية إلى الصورة الملكية و أخذه من جبرئيل، ثانيهما أنّ الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه الرسول منه، و الأوّل أصعب الحالين. و قال القطب الرازي إنزال الكلام ليس مستعملا في المعنى اللغوي الحقيقي و هو تحريك الشيء من العلو إلى السفل بل هو مجاز. فمن قال بقدمه فإنزاله أن يوجد الكلمات و الحروف الدّالّة على ذلك المعنى و يثبتها في اللوح المحفوظ، و من قال بحدوثه و أنّه هو الألفاظ فإنزاله مجرّد إثباته في اللوح المحفوظ. و يمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في سماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ و المراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقّفها الملك من اللّه تلقّفا روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ و ينزل بها فيلقيها عليهم.
و قال غيره فيه ثلاثة أقوال: الأول أنّ المنزّل هو اللفظ و المعنى و أنّ جبرئيل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ و نزل به، و ذكر بعضهم أنّ أحرف القرآن في اللوح المحفوظ كلّ حرف منها بقدر جبل قاف، و أنّ تحت كلّ حرف منها معان لا يحيط بها إلّا اللّه. الثاني أنّ جبرئيل عليه السلام إنّما نزل بالمعاني خاصة و أنّه صلى اللّه عليه و آله و سلم علم تلك المعاني و عبّر عنها بلغة العرب لقوله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [١]، الثالث أنّ جبرئيل ألقى عليه المعنى و أنّه عبّر بهذه الألفاظ بلغة العرب، و أنّ أهل السماء يقرءونه بالعربية ثم أنّه نزل به كذلك بعد ذلك. و قال الجويني كلام اللّه المنزّل قسمان. قسم قال اللّه تعالى لجبرئيل قل للنبي الذي أنت مرسل إليه إنّ اللّه يقول افعل كذا و كذا و أمر بكذا و كذا، ففهم جبرئيل ما قاله ربّه ثم نزل على ذلك النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و قال له ما قاله ربّه، و لم تكن العبارة تلك العبارة كما يقول الملك لمن يثق به قل لفلان يقول لك الملك اجتهد في الخدمة و اجمع الجند للقتال، فإن قال الرسول يقول لك الملك لا تتهاون في خدمتي و اجمع الجند و حثّهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب و لا تقصير في أداء الرسالة. و قسم آخر قال اللّه تعالى لجبرئيل اقرأه على النبي هذا الكتاب فنزل جبرئيل بكلمة اللّه من غير تغيير كما يكتب الملك كتابا و يسلّمه إلى أمين و يقول اقرأه على فلان فهو لا يغيّر منه كلمة و لا حرفا. قيل القرآن هو القسم الثاني و القسم الأول هو السّنّة. كما ورد أنّ جبرئيل كان ينزل بالسّنّة كما ينزل بالقرآن. و من هاهنا جاز رواية السّنّة بالمعنى لأنّ جبرئيل أدّاه بالمعنى و لم تجز القراءة بالمعنى لأنّ جبرئيل أدّاه باللفظ. و السّرّ في ذلك أنّ المقصود منه التعبّد بلفظه و الإعجاز به و أنّ تحت كلّ حرف منه معان لا يحاط بها كثرة فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، و التخفيف على الأمة حيث جعل المنزّل إليهم على قسمين: قسم يروونه بلفظ الموحى به و قسم يروونه بالمعنى، و لو جعل كلّه مما يروى باللفظ لشقّ أو بالمعنى لم يؤمن من التبديل و التحريف. الثالثة للوحي كيفيات. الأولى أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس كما في الصحيح و في مسند احمد (عن عبد اللّه بن عمر سألت النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: هل تحسّ بالوحي؟ فقال أسمع صلاصل ثم اسكت عند ذلك. فما من مرّة يوحى إليّ إلّا ظننت أنّ نفسي تقبض) [٢]. قال الخطابي المراد أنّه صوت متداول يسمعه و لا يتبينه أوّل ما يسمعه حتى يفهمه بعد. و قيل هو صوت خفق
[١] الشعراء/ ١٩٣- ١٩٤.
[٢] مسند احمد، ٢/ ٢٢٢.