كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٥١٩ - التقسيم
بتوسّط الكيفية التي لمادّتها ذاتية كانت أو عرضية فإنّ الماء الحار إذا امتزج بالماء البارد و انفعلت مادة البارد من الحرارة كما تنفعل مادة الحار من البرودة، و إن لم تكن هناك صورة متسخّنة فالكاسر الصورة بتوسّط الكيفية و المنكسر المادة و ذلك بأن تحيل مادة العنصر إلى كيفيتها فتكسر صورة كيفيته فحينئذ يحصل كيفية متشابهة في أجزاء المركّب متوسّطة بين الأضداد و هي المزاج.
قال الإمام الرازي لا شبهة في أنّ الشيء لا يوصف بكونه مشابها لنفسه، و إنّما قلنا للكيفية المزاجية إنّها متشابهة لأنّ كلّ جزء من أجزاء المركّب ممتاز بحقيقته عن الآخر فتكون الكيفية القائمة به غير الكيفية القائمة بالآخر إلّا أنّ تلك الكيفيات القائمة بتلك الأجزاء متساوية في النوع و هذا معنى تشابهها. و في شرح حكمة العين: و اعلم أنّ حصول الكيفية أعمّ مما هو بوسط أو بغيره لا الحصول الذي بغير وسط ليخرج المزاج الثاني الواقع بين اسطقسات ممتزجة قد انكسرت كيفيتها بحسب المزاج الأوّل و المراد من كونها متوسّطة أن تكون تلك الكيفية أقرب إلى كلّ واحد من الفاعلين، و كذا إلى كلّ من المنفعلين أو كيفية يستسخن بالقياس إلى البارد و تستبرد بالقياس إلى الحار، و كذا في الرطوبة و اليبوسة. و على التفسيرين لا تدخل الألوان و الطعوم و الروائح في الحدّ أمّا على الثاني فظاهر لأنّ شيئا منها لا يتسخن بالنسبة إلى البارد و لا يستبرد بالنسبة إلى الحار، و أمّا على الأوّل فلأنّ المراد من كونها أقرب أن تكون مناسبتها إلى كلّ واحدة من الكيفيات أشدّ من مناسبة بعضها إلى بعض، و مثل ذلك لا تكون إلّا كيفية ملموسة، إذ الطعم و نحوه لا يكون كذلك، إذ المناسبة بين الحرارة و البرودة أشدّ من المناسبة بين الطعم و أحدهما، فلا حاجة حينئذ إلى تقييد الكيفية بالملموسة كما فعله ابن أبي صادق [١] و لا بالأولية كما فعله الإيلاقي ليخرج الكيفيات التابعة للمزاج لعدم دخولها بدونهما على أنّ ما ذكره الإيلاقي ينتقص بالمزاج الثاني فقد أخلّ بعكسه و إن حافظ على طرده. و مذهب الأطباء أنّ الفاعل و المنفعل هو الكيفية، قالوا الفاعل الكاسر هو نفس الكيفية و المنفعل المنكسر صورة الحرارة فإنّ انكسار صورة البرودة لا تتوقّف على أن يكون ذلك بصورة الحرارة حتى يلزم المحذور المذكور بل يحصل ذلك بنفس الحرارة، فإنّ الماء الفاتر إذا مزج بالماء الشديد البرد يكسر صورة برودتها، و كذلك انكسار صورة الحرارة لا يلزم أن يكون ذلك بصورة البرودة، بل قد يحصل بنفس البرودة كالماء القليل البرد إذا مزج بالماء الشديد الحرارة فإنّه يكسر صورة حرارتها. و إذا كان كذلك فلا مانع من استناد التفاعل إلى الكيفيات. و ذهب بعض المتأخّرين كالإمام الرازي و صاحب التجريد إلى أنّ الفاعل الكيفية و المنفعل المادة فتفعل الكيفية في المادة فتكسر صرافة كيفيتها و تحصل كيفية متشابهة في الكلّ متوسّطة هي المزاج.
اعلم أنّه ذهب البعض إلى أنّ البسائط إذا امتزجت و انفعل بعضها من بعض فأدّى ذلك بها إلى أن تخلع صورها فلا تبقى لواحد منها صورته المخصوصة به و يلبس الكلّ حينئذ صورة واحدة هي حالة في مادة واحدة، فمنهم من جعل تلك الصورة أمرا متوسّطا بين صورها المتضادة، و منهم من جعل تلك الصورة صورة أخرى من الصور النوعية للمركّب، فالمزاج على
[١] هو عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن أبي صادق، ابو القاسم النيسابوري توفي نحو ٤٧٠ ه/ ١٠٧٧ م. حكيم من الأطباء.
لقب بسقراط الثاني. له عدة تصانيف.
الاعلام ٣/ ٣١٦، تاريخ حكماء الاسلام ١١٤، هدية العارفين ١/ ٥١٧.