كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٥٢١ - التقسيم
يصلح ذلك أن يكون مزاجا لذلك النوع، و أيضا لكلّ نوع مزاج واقع في وسط ذلك العرض هو أليق الأمزجة به و يكون حاله فيما خلق له من صفاته و آثاره المختصّة به أجود مما يتصوّر منه، و ذلك اعتداله النوعي بالنسبة إلى ما يدخل فيه من صنف أو شخص، فالاعتدال النوعي بالقياس إلى الخارج يحتاج إليه النوع في وجوده و يكون حاصلا لكلّ فرد فرد على تفاوت مراتبه و بالقياس إلى الداخل يحتاج إليه النوع في أجودية كمالاته و لا يكون حاصلا إلّا لأعدل شخص من أعدل صنف من ذلك النوع، و أمّا أعدلية ذلك النوع فغير لازم و لا يكون أيضا حاصلا له إلّا في أعدل حالاته، و قس الثلاثة الباقية عليه. فالاعتدال الصنفي بالقياس إلى الخارج هو الذي يكون لائقا بصنف من نوع مقيسا إلى أمزجة سائر أصنافه كمزاج الهندي بالنسبة إلى غيرهم و له عرض ذو طرفين هو أقل من العرض النوعي إذ هو بعض منه، و إذا خرج عنه لم يكن ذلك الصنف، و بالقياس إلى الداخل هو المزاج الواقع في حاق الوسط من هذا العرض و هو أليق الأمزجة الواقعة فيما بين طرفيه بالصنف إذ به تكون حاله أجود فيما خلق لأجله و لا يكون إلّا لأعدل شخص منه في أعدل حالاته، سواء كان هذا الصنف أعدل الأصناف أو لا، و الاعتدال الشخصي بالنسبة إلى الخارج هو الذي يحتاج إليه الشخص في بقائه موجودا سليما و هو اللائق به مقيسا إلى أمزجة أشخاص أخر من صنفه، و له أيضا عرض هو بعض من العرض الصنفي و بالنسبة إلى الداخل هو الذي يكون به الشخص على أفضل حالاته و الاعتدال العضوي مقيسا إلى الخارج ما يتعلّق به وجود العضو سالما و هو اللائق به دون أمزجة سائر الأعضاء، و له أيضا عرض إلّا أنّه ليس بعضا من العرض الشخصي و مقيسا إلى الداخل هو الذي يليق بالعضو حتى يكون على أحسن أحواله و أكمل أزمانه. و أمّا غير المعتدل فلأنّه إمّا أن يكون خارجا عما ينبغي في كيفية واحدة و يسمّى البسيط و هو أربعة: حار و بارد و رطب و يابس أو في كيفيتين غير متضادتين و يسمّى المركّب و هو أيضا أربعة، و اعترض عليه بأنّ الخارج عن الاعتدالين لمّا لم يكن معتبرا بالقياس إلى المعتدل الحقيقي بل بالقياس إلى الفرضي جاز أن يكون خروجه عن الاعتدال بالكيفيتين المتضادتين، و لا يلزم من ذلك كون المتضادين غالبين و مغلوبين معا إذ ليس المعتبر زيادة كلّ على الأخرى بل على القدر اللائق.
و أجيب بأنّ هذا و هم منشأه عدم اعتبار عرض المزاج و إذا اعتبرناه فلا يرد شيء فإنّا نفرض معتدلا ما ينبغي له من الأجزاء الحارّة من عشرة إلى عشرين و من الباردة من خمسة إلى عشرة مثلا فهذا المركّب إنّما يكون معتدلا ما دامت الأجزاء على نسبة التضعيف حتى لو صارت الحارة ثلاثة عشر و الباردة ستة و نصفا كان معتدلا، و لو اختلفت تلك النسبة فإمّا أن تكون الباردة أقلّ من النصف فيكون المزاج أحرّ مما ينبغي أو أكثر منه فيكون أبرد فلا يتصوّر أن يصير الخارج أحر و أبرد، و قس عليه الرطوبة و اليبوسة.
اعلم أنّ كلا من الأمزجة الثمانية الخارجة عن الاعتدال قد يكون ماديا بأن يغلب على البدن خلط يغلب عليه كيفية فيخرجه عن الاعتدال الذي هو حقّه إلى تلك الكيفية كأن يغلب مثلا عليه البلغم فيخرجه إلى البرودة و قد يكون ساذجا بأن يخرج عن الاعتدال لا بمجاورة بل بأسباب خارجة عنه أوجبت ذلك كالمبرّد بالثلج و المسخّن بالشمس و قد يكون جبليا و طبعيا خلق البدن عليه و عرضيا عرض له بعد اعتداله في جبليته. و أيضا ينقسم المزاج إلى أول و ثان فالمزاج الأول هو الحادث عن امتزاج العناصر و المزاج الثاني هو الحادث عن امتزاج