كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٤٨٣ - فائدة
الغيب، و الأعمّ إن ظهر من معاينة الحسن [١] جمال الأفعال في عالم الشهادة. فالحبّ بظهوره من مشاهدة الجمال يختصّ بالجميل البصير.
و ما قيل إنّ الحبّ ثابت في كلّ شيء لانجذابه إلى جنسه فعلى خلاف المشهور. و العشق أخصّ منه لأنّه محبة مفرطة، و لهذا لا يطلق على اللّه تعالى لانتفاء الإفراط عن صفاته. و الحبّ الإلهي وراء حبّ العقلاء من الإنسان و الجنّ و الملك، فإنه صفة قديمة قائمة [٢] بذاته تعالى، و صفته عين الذات فهي قائمة بنفسها، و حبّ العقلاء قائم بهم فيحبونه بحبّه إيّاهم. و تقديم يحبّهم على يحبّونه إشارة إلى هذا و إن لم يفد الواو الترتيب و العلّية. و جمال الذات مطلق موجود في كلّ صفة من الصفات الجمالية و الجلالية لعموم الذات إيّاها، فللجلال جمال هو جمال الذات، و الجمال صفة الذات و له جمال هو جمال الصفة. و من أحبّ جمال الذات فعلامته أن تستوي عنده الصفات المقابلة [٣] من الضّرّ و النّفع حتى الحبّ و القلى و الوصل و القطع، و هذه المحبّة ثابتة ثبوت الجبل لا يتطرّق إليها الزوال. و جمال الصفات مقيّد موجود في بعضها و علامة من يحبّه أن يؤثرها شطرا من الصفات كالنّفع و الحبّ و الوصل [على أضدادها مطلقا] [٤]، لا باعتبار وصول آثارها إليه، بل لأنّها محبوبة عنده في الأصل. و جمال الأفعال أكثر تقيدا منه و علامة من يحبّه أن يؤثرها باعتبار وصول آثارها إليه، و هذان المحبّان قد يتغيّر حبّهما بتغيّر محبوبهما.
و جمال الأفعال يسمّى حسنا و ملاحة و هو روح منفوخ منه في قالب التّناسب. و حسن الصّور الروحانية ألذّ و أشهى و أكثر تأثيرا و تخيّرا للمناسبة الخاصة بينه و بين المحل في الروحانية، و لهذا كان حسن المسموعات أشدّ تأثيرا في قلوب أرباب الذوق من حسن المحسوسات الآخر لقرب صورة النغمة من الصور الروحانية، و قلّما يسلم شاهد الحسن من الوقوع في الفتنة حيث يسلب عنه وصف الحبّ لغلبة وصف الطبيعة و ثوران الشهوة بحكم من غلب سلب و من عزّ بزّ، و لا يسلم هذا الشهود إلّا لآحاد و أفراد زكت نفوسهم و طهرت قلوبهم و انطفئت فيها نار الشهوة، و لهذا حرّم [النظر] [٥] إلى الأجنبيات. فالحظّ الأوفر من وجود [٦] الحبّ و شهود الجمال لمحبّ الذات، و الحظّ الوافر لمحبّ الصفات، و الحظّ القليل لمحبّ الأفعال.
و المحبّة و المحبوبة [٧] حبّتان [٨] عارضتان للمحبّة و هي قائمة بذاتها، و اتصال المحبّ بالمحبوب لا يمكن إلّا في عين المحبّة لأنّهما ضدّان لا يجتمعان لتقابلهما في الأوصاف، فإنّ صفات المحبّ من الافتقار و العجز و الذلّة، و غيرها أضداد صفات المحبوب من الاستغناء و القدرة و العزة و غيرها، و اجتماعهما في عين المحبّة بأن لا يحبّ المحبّ إلّا المحبّة كما قال الجنيد:
المحبّة محبّة المحبّة، و هكذا قال النووي لأنّ المحبة إذا صارت محبوبة و هي صفة ذاتية للمحبّ تحقّق الوصول و ارتفع التّضاد عن الجهتين بفناء المحبّ في المحبّة المحبوبة، و لذا
[١] الحس (م)
[٢] قديمة قائمة (- م)
[٣] المتقابلة (م)
[٤] [على أضدادها مطلقا] (+ م)
[٥] [النظر] (+ م)
[٦] وجوه (م)
[٧] المحبية (م، ع)
[٨] جهتان (م)