كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٠٨٣ - فائدة
و ثمة اختلاف حول حكم الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم. و المختار أنّه فرض مرة واحدة في العمر بدليل أنّ صيغة الأمر التي هي للوجوب لا تقتضي التكرار.
و قال بعضهم: بل هي واجبة. و الإكثار منها بلا تحديد وقت و لا تعيين عدد. و ذلك لأنّه سبحانه أمر بذلك و لم يعيّن لذلك وقتا و لا عددا. و عليه فيجب علينا ما وسعنا ذلك في أيّ وقت و بأيّ قدر أن نؤدّي ذلك الأمر.
و قال بعضهم: إنّ الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم تجب كلّما ذكر اسمه الشريف. و قال بعضهم:
هذا هو المختار.
و قال في المواهب (اللدنية): و ممن يقول بهذا الطحاوي و جماعة من الحنفية و بعض الشافعية و المالكية و استدلّوا بحديث: «رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ». رواه الترمذي و صحّحه الحاكم و إنّ حديث: «شقي عبد ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ». أخرجه الطبراني. و عن علي رضي اللّه عنه قال: رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ». رواه الترمذي. لأنّ الوعيد على الترك من علامات الوجوب، و أيضا: إنّ فائدة الأمر بالصلاة على النبي صلى اللّه عليه و سلم هو نوع من المكافأة على إحسانه، و إحسانه مستمر و دائم. إذن فيجب كلما ذكر. كما أنّ الصلاة شكر للّه على نعمه، و النعم الإلهية هي دائمة في كلّ زمان، فعليه وجبت الصلاة في الأوقات الشريفة.
و لكن جمهور العلماء رجّحوا القول الأول و قالوا: إنّ وجوب الإكثار و وجوب التكرار للصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم لم ينقل عن أحد من الصحابة، فيكون هذا القول إذن مخترعا. و أمّا من حيث النصّ الذي يعتمد عليه في هذا الباب فهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً فهو و إنّ كان بصيغة الأمر إلا أنها لا تقتضي و لا توجب التكرار، و لا تحتمل أيضا التكرار كما هو مصرّح به في كتب الأصول. و أيضا: لا توجد عبادة في الشرع واجبة بدون تعيين وقتها و عددها و مقدارها، أضف إلى ذلك أن تكون مستمرة و دائمة مع هذه الجهالة. و لو كانت الصلاة على النبي واجبة في كلّ وقت يذكر فيها الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم للزم من ذلك وجوبها على كل مؤذّن و سامع للأذان و مقيم للصلاة و سامع للإقامة. و كذلك على كلّ قارئ للقرآن متى ورد ذكر الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم فيها. و يدخل في ضمن ذلك من قال كلمات الشهادتين أو ممن سمعها و كذلك على وجه الخصوص من يدخل في الاسلام الذي لا بدّ له من النطق بالشهادتين و أمثال ذلك، بينما الواقع المنقول عن السلف و الخلف خلاف ذلك. و يؤيّده أنّ الحمد و الثناء على اللّه سبحانه ليس واجبا كلما ذكر اسم اللّه. فإذن كيف يصير واجبا الصلاة على الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم في كلّ وقت يذكر فيه؟
و أجابوا عن تلك الأحاديث المشار إليها بأنّها على سبيل المبالغة و التأكيد، و هي إنّما ترد بحق من لم يصلّ أبدا على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم.
و قال بعضهم: تجب الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في كلّ مجلس مرة واحدة و لو تكرر ذكر اسمه الشريف.
و قال بعض آخر: هو واجب في الدعاء.
و قال غيرهم: هو واجب في أثناء الصلاة.
و هذا القول منسوب لأبي جعفر محمد الباقر.
و قال آخرون: هو واجب في التشهّد.
و هذا قول الشعبي و إسحاق.
و قال بعضهم: هو واجب في آخر الصلاة قبل السلام، و هذا قول الشافعي. و قال بعض آخرون: هو واجب حينما تتلى الآية الكريمة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا