كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٦٩٧ - فائدة
ازدياده بأن يفهم منه معنى لم يفهم من الظاهر بقرينة قطعية تنضم إليه سباقا أو سياقا تدلّ على أنّ قصد المتكلّم ذلك المعنى بالسوق، كالتفرقة بين البيع و الربا- الربا- لم يفهم من ظاهر الكلام بل بسياق، و هو قوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [١] و عرف أنّ الغرض إثبات التفرقة بينهما و أنّ تقدير الكلام و أحلّ اللّه البيع و حرم الربا فأنّى يتماثلون و لم يعرف هذا بدون تلك القرينة بأن قيل ابتداء أحلّ اللّه البيع و حرّم الربا، و يؤيّد ما ذكرنا ما قال شمس الأئمة. و أمّا النّصّ فما يزداد بيانا بقرينة تقترن باللفظ من المتكلّم ليس في اللفظ ما يوجب ذلك ظاهرا بدون تلك القرينة، و إليه أشار القاضي في أثناء كلامه. و قال صدر الإسلام النّصّ فوق الظاهر في البيان لدليل في عين الكلام. و قال الإمام اللامشي [٢] رحمه اللّه النّصّ ما فيه زيادة ظهور سيق الكلام لأجله و أريد بالأسماع باقتران صيغة أخرى بصيغة الظاهر كقوله تعالى وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [٣] نصّ في التفرقة بين البيع و الربا حيث يريد بالأسماع ذلك بقرينة دعوى المماثلة. و أمّا قولهم بمعنى في المتكلم في نفس الصيغة فمعناه ما ذكرنا أنّ المعنى الذي به ازداد النّصّ وضوحا على الظاهر ليس له صيغة في الكلام تدلّ عليه وضعا بل يفهم بالقرينة التي اقترنت بالكلام أنّه هو الغرض للمتكلّم من السوق، كما أنّ فهم التفرقة ليس باعتبار صيغة تدلّ عليه لغة بل بالقرينة السابقة التي تدلّ على أنّ قصد المتكلم هو التفرقة، و لو ازداد وضوحا بمعنى يدلّ عليه صيغة يصير مفسّرا فيكون هذا احترازا عن المفسّر انتهى.
و قد سبق في لفظ الظاهر أيضا ما يوضّح هذا فمرجع هذه المعاني التي ذكرها الحنفية إلى المعنى الرابع كما لا يخفى. و الخامس الكتاب و السّنّة قال المحقّق التفتازاني في حاشية العضدي في بحث النسخ كما يراد بالنّصّ ما يقابل الظاهر كذلك يراد به ما يقابل الإجماع و القياس و هو الكتاب و السّنّة انتهى. و لا بدّ هاهنا من بيان معاني عبارة النّصّ و أخواته لاشتراكها في المضاف إليه أعني لفظ النّصّ، فأقول عبارة النّصّ دلالته على المعنى مطابقة أو تضمنا مع سياق الكلام له و إشارة النّصّ دلالته على المعنى بالالتزام مع عدم سياق الكلام له.
و سمّى الشافعي العبارة بالمنطوق الصريح و جعل الإشارة من أقسام المنطوق الغير الصريح، يدلّ عليه ما وقع في كشف البزدوي من أنّ عامة الأصوليين من أصحاب الشافعي قسّموا دلالة اللفظ إلى منطوق و مفهوم و جعلوا ما سمّاه الحنفية عبارة و إشارة و اقتضاء من قبيل المنطوق. اعلم أنّ دلالة الكلام على المعنى على ثلاث مراتب: الأولى أن يدلّ على المعنى و يكون ذلك المعنى مقصودا أصليا كالعدد في قوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ [٤]. و الثانية أن يدلّ على معنى و لا يكون مقصودا أصليا بل إنّما يكون لغرض إتمام معنى آخر كإباحة النكاح في تلك الآية. و الثالثة أن يدلّ على معنى و هو من لوازم المعنى المقصود كانعقاد بيع الكلب من قوله عليه الصلاة و السلام (إنّ من السّحت ثمن الكلب) [٥]، فالقسم الأول مسوق إليه و القسم الثالث ليس مسوقا أصلا و المتوسط مسوق من
[١] البقرة/ ٢٧٥
[٢] هذا تصحيف، و الأرجح أنّه علي بن محمد بن حميد الدين الضرير الراشي أو الرامشي، توفي عام ٦٦٧ ه/ ١٢٦٨ م. من أهل بخارى من فقهاء الحنفية، له تصانيف عدة. الأعلام ٤/ ٣٣٣، الفوائد البهية ١٢٥، بروكلمان ٣/ ٢٧١.
[٣] البقرة/ ٢٧٥
[٤] النساء/ ٣
[٥] ورد في صحيح البخاري، كتاب البيع، باب ثمن الكلب، ح ١٧٩- ٣/ ١٧٤، بلفظ (إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم نهى عن ثمن-