كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٤٧٥ - فائدة
إلّا ببيان من جهة المجمل، فإنّه أراد بالمعنى مفهوم اللفظ و بازدحامها تواردها على اللفظ من غير رجحان لأحدها على الآخر. و قيل ما ازدحمت فيه المعاني قيد زائد إذ يكفيه أن يقول هو ما اشتبه المراد إلى آخره، و لذا قال شمس الأئمة هو لفظ لا يفهم المراد منه إلّا باستفسار المجمل. و قال القاضي الإمام هو الذي لا يعقل معناه أصلا و لكنه احتمل البيان. و قال آخر هو ما لا يمكن العمل إلّا ببيان يقترن به، هكذا يستفاد من كشف البزدوي و التلويح. و في بعض كتب الحنفية هو ما لا يوقّف على المراد منه إلّا ببيان غير اجتهادي. فقيد ما لا يوقف كالجنس يتناول المجمل و المتشابه. و بقيد إلّا ببيان خرج المتشابه فإنّه لا يرجى بيانه. و بقيد غير اجتهادي خرج المشترك فإنّه يجوز تأويله بالاجتهاد و النظر في القرائن و مأخذ الاشتقاق. و كذا خرج ما أريد مجازه للنظر في الوضع و العلاقة و العلامات و تبيّن بهذا أنّ قول بعض أصحابنا الحنفية أنّ المشترك نوع من المجمل فيه نظر لعدم انطباق حدّ المجمل عليه و نقيض المجمل المبين انتهى ما حاصله. و قال بعض الشارحين و في إخراج المشترك مطلقا عن المجمل نظر كما في إدخاله فيه مطلقا نظر لأنّ من أفراد المشترك ما لا يمكن الاطلاع عليه بالاجتهاد أصلا فيكون من قبيل المجمل. البتّة لصدق حدّه عليه قطعا، و من أفراده ما يمكن الاطلاع عليه بالاجتهاد فلا يكون من قبيل المجمل. و مثال المشترك الذي هو من المجمل ما إذا أوصى لمواليه و له موال أعلى و أسفل و مات من غير بيان حيث تبطل الوصية بعدم المرجّح انتهى. اعلم أنّ هذا الذي ذكر إنّما هو مذهب الحنفية فإنّهم قالوا المجمل و المشكل و الخفي و المتشابه ألفاظ متباينة لا يصدق أحدها على الآخر منها، و لذا وقع في التلويح إذا خفي المراد من اللفظ فخفاؤه إمّا لنفس اللفظ أو لعارض، الثاني يسمّى خفيا و الأول إمّا أن يدرك المراد منه بالعقل أو لا، الأول يسمّى مشكلا، و الثاني إمّا أن يدرك المراد بالنقل [١] أو لا يدرك أصلا، الأول يسمّى مجملا، و الثاني متشابها، فهذه الأقسام متباينة قطعا بلا خلاف، بخلاف الظاهر و النصّ و المفسّر و المحكم فإنّها اختلف فيها. فقيل بتباينها و قيل بتغايرها انتهى. و أمّا الشافعي رحمه اللّه تعالى فلم يفرّق بينها بل أطلق على الجميع لفظ المجمل و لا يجوز عنده تفسير المتشابه بالتفسير الذي فسّر به الحنفية إذ يجوز عنده تأويل المتشابه فلا يجوز عنده تفسيره بتفسيرهم.
و يدلّ على ما ذكرنا وقع في الاتقان أنّ المجمل ما لم تتضح دلالته و هو واقع في القرآن خلافا لداود الظاهري، و في جواز بقائه مجملا أقوال، أصحّها لا يبقى المكلّف بالعمل به بخلاف غيره. ثم قال اختلف في آيات هل هي من قبيل المجمل أم لا، منها وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا [٢]، قيل إنّها مجملة لأنّ الربا هو الزيادة و ما من بيع إلّا و فيه زيادة افتقر إلى بيان ما يحلّ و ما يحرم. و قيل لا لأنّ البيع منقول شرعا فحمل على عمومه ما لم يقم دليل التخصيص. و قال الماوردي: للشافعي في هذه الآية أربعة أقوال. القول الأول إنّها عامة فإنّ لفظها لفظ عموم يتناول كلّ بيع و يقتضي إباحة كلّ بيع إلّا ما خصّه الدليل، و هذا القول أصحها عند الشافعي و أصحابه لأنّه صلى اللّه عليه و سلم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها و لم يبيّن الجائز، فدلّ على أنّ الآية تناولت إباحة جميع البيوع إلّا ما خصّ منها، فبيّن صلى اللّه عليه و سلم المخصوص، و قال: فعلى هذا في العموم قولان: أحدهما أنّه عموم أريد به العموم و إن دخل التخصيص، و ثانيهما أنّه عموم
[١] بالعقل (ع)
[٢] البقرة/ ٢٧٥