كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣٧٤ - فائدة
ذلك المجلى عن الكون الذي يريد تقدير وجوده، ثم يجري ذلك الكون على ما أمره به عناية منه و رحمة سابقة ليصحّ للوجود بذلك اسم الطاعة فتكون سعيدا. و إلى هذا أشار بقوله في مخاطبته للسماء و الأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [١]. فحكم للأكوان بالطاعة تفضّلا منه، و لذلك سبقت رحمته غضبه.
و المطيع مرحوم فلو حكم عليها بأنّها أتت مكرهة لكان ذلك الحكم عدلا إذ القدرة تجبر الكون على الوجود إذ لا اختيار للمخلوق و لكان الغضب حينئذ أسبق إليه من الرحمة لكنه تفضّل فحكم لها بالطاعة، فما ثمّ عاص له من حيث الجملة في الحقيقة، و كلّ الموجودات مطيعة له تعالى و لهذا آل حكم النّار إلى أن يضع الجبّار فيها قدمه فيقول قط قط فتزول و ينبت في محلّها شجر الجرجير كما ورد في الخبر عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم. و أمّا النوع الثاني منها فهي الصادرة من مقام الربوبية بلغة الأنس بينه و بين خلقه كالكتب المنزّلة على أنبيائه و المكالمات لهم و لمن دونهم من الأولياء، و لذلك وقعت الطاعة و المعصية في الأوامر المنزّلة في الكتب من المخلوق لأنّ الكلام صدر بلغة الأنس، فهم في الطاعة كالمخيرين أعني جعل نسبة اختيار الفعل إليهم ليصحّ الجزاء في المعصية بالعذاب عدلا، و يكون الثواب في الطاعة فضلا لأنّه جعل نسبة الاختيار إليهم بفضله و لم يكن ذلك إلّا بجعله لهم، و ما جعل ذلك إلّا لكي يصحّ لهم الثواب، فثوابه فضل و عقابه عدل. و أمّا الجهة الثانية فاعلم أنّ كلام الحقّ نفس أعيان الممكنات، و كلّ ممكن كلمة من كلماته، و لذا لا نفود للممكن. قال تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ [٢] الآية، فالممكنات هي كلمات الحقّ سبحانه و ذلك لأنّ الكلام من حيث الجملة صورة لمعنى في علم المتكلّم، أراد المتكلّم بإبراز تلك الصورة فهم السامع ذلك المعنى، فالموجودات كلمات اللّه تعالى و هي الصورة العينية المحسوسة و المعقولة الوجودية، و كلّ ذلك صور المعاني الموجودة في علمه و هي الأعيان الثابتة. و إن شئت قلت حقائق الأشياء.
و إن شئت قلت ترتيب الألوهية. و إن شئت قلت بساطة الوحدة. و إن شئت قلت تفصيل الغيب.
و إن شئت قلت صور الجمال. و إن شئت قلت آثار الأسماء و الصفات. و إن شئت قلت معلومات الحقّ. و إن شئت قلت الحروف العاليات، فكما أنّ المتكلّم لا بدّ له في الكلام من حركة إرادية للتكلّم و نفس خارج بالحروف من الصّدر الذي هو غيب إلى ظاهر الشفة، كذلك الحقّ سبحانه في إبرازه لخلقه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة يريد أولا ثم تبرزه القدرة، فالإرادة مقابلة للحركة الإرادية التي في نفس المتكلّم، و القدرة مقابلة للنفس الخارج بالحروف من الصّدر إلى الشفة لأنّها تبرز من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، و تكوين المخلوق مقابل لتركيب الكلمة على هيئة مخصوصة في نفس المتكلّم، كذا في الإنسان الكامل.
كلبه أحزان:
[في الانكليزية]Sadness cabin
[في الفرنسية]Hutte de chagrin
معناها: (كوخ الأحزان و هي كناية عن بيت يعقوب بعد غيبة يوسف عليهما السلام).
و عند الصوفية: هو القلب المملوّ بالحزن من ألم هجر المعشوق [٣].
[١] فصلت/ ١١.
[٢] الكهف/ ١٠٩
[٣] نزد صوفيه دلى باشد كه پرغم از هجر معشوق است.