كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣٢١ - تقسيم آخر
الموصوف على الصفة المعنوية و قصر الصفة المعنوية على الموصوف، و الفرق بينهما أنّ معنى الأول أنّ الموصوف ليس له غير تلك الصفة، لكن تلك الصفة يجوز أن تكون حاصلة لموصوف آخر و يجوز أن لا تكون حاصلة له، و معنى الثاني أنّ تلك الصفة ليست إلّا لذلك الموصوف، لكن يجوز أن يكون لذلك الموصوف صفات و يجوز أن لا يكون له صفة سواها، و الأوّل من الحقيقي نحو ما زيد إلّا كاتب إذا أريد أنّه لا يتّصف بغيرها، و هو لا يكاد يوجد لتعذّر الإحاطة بصفات الشيء.
و الثاني كثير نحو ما في الدار إلّا زيد على معنى أنّ الكون في الدار مقصور على زيد، و نحو لا إله إلّا اللّه، و قد يقصد به أي بالثاني المبالغة لعدم الاعتداد بغير المذكور كما يقصد بالمثال المذكور أنّ جميع من في الدار ممن عدا زيد في حكم المعدوم، و يكون هذا قصرا حقيقيا ادّعائيا لا قصرا غير حقيقي. فالحقيقي نوعان:
حقيقي تحقيقا و حقيقي مبالغة و ادّعاء، و يمكن أن يعتبر هذا في قصر الموصوف على الصفة أيضا بناء على عدم الاعتداد بباقي الصفات.
و الفرق بين الحقيقي الادّعائي و الإضافي في موارد الاستعمال دقيق كثيرا ما يلتبس أحدهما بالآخر، فليتأمّل السامع الذكي لئلّا يخبط، لا أنّ بين مفهوميهما دقّة و خفاء كما وهم البعض.
و الأول من غير الحقيقي نحو: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [١] أي أنّه مقصور على الرسالة لا يتعدّاها إلى التبرّؤ من الموت استعظموه الذي هو من شأن الإله. و الثاني منه نحو: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً [٢] الآية، فإنّه ليس الغرض الحصر الحقيقي بل الرّدّ على الكفّار الذين كانوا يحلّون الميتة و الدّم و لحم الخنزير و ما أهلّ لغير اللّه به و كانوا يحرّمون كثيرا من المباحات. ثم اعلم أنّ كلّا من قصر الموصوف على الصفة و قصر الصفة على الموصوف ضربان لأنّه إمّا تخصيص أمر بصفة دون أخرى أو مكان أخرى، و إمّا تخصيص صفة بأمر دون أمر آخر أو مكان أمر آخر. و المخاطب بالضرب الأول من كلّ منهما من يعتقد الشركة أي شركة صفتين أو أكثر في موصوف واحد في قصر الموصوف على الصفة، و شركة موصوفين أو أكثر في صفة واحدة في العكس و يسمّى هذا القصر قصر أفراد لقطع الشركة، نحو إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [٣] خوطب به من يعتقد اشتراك اللّه و الأصنام في الألوهية. و المخاطب بالضرب الثاني من كلّ منهما من يعتقد العكس و يسمّى قصر قلب لقلب حكم المخاطب نحو: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ [٤] خوطب به نمرود الذي اعتقد أنّه المحيي و المميت دون اللّه، أو تساويا عنده و يسمّى قصر تعيين لتعيينه ما هو غير معيّن عند المخاطب كقولك ما زيد إلّا قائم لمن يعتقد أنّه إمّا قائم أو قاعد و لا يعرفه على التعيين، و ما شاعر إلّا زيد لمن يعتقد أنّ الشاعر إمّا زيد أو عمرو من غير أن يعلمه على التعيين. قال المحقّق التفتازاني هذا التقسيم لا يجري في القصر الحقيقي إذ العاقل لا يعتقد اتصاف أمر بجميع الصفات و لا اتّصافه بجميع الصفات غير صفة واحدة و لا يردّده أيضا بين ذلك، و كذلك لا يعتقد اشتراك صفة بين جميع الأمور لا ثبوتها للجميع غير واحد و لا يردّدها أيضا بين الجميع. قال صاحب الأطول و فيه نظر لأنّ
[١] آل عمران/ ١٤٤
[٢] الانعام/ ١٤٥
[٣] النساء/ ١٧١
[٤] البقرة/ ٢٥٨