كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٧٩٨ - فائدة
لا يقال هذا و المراد أحد ممّا يشار إليه، بل لا بدّ في إطلاقه من المقصد إلى خصوصية معيّنة فلو كان موضوعا للمعنى العام كرجل لجاز فيه ذلك و لكان استعماله في الخصوصيات مجازا.
و القول بأنّه موضوع لمفهوم كلّي لكن الواضع قد اشترط أن لا يستعمل إلّا في الجزئيات بخلاف نحو رجل تمحّل ظاهر. فإن قلت إذا كان هذا موضوعا للخصوصيات المتعدّدة كان مشتركا لفظا. قلت إنّما يلزم ذلك لو كان موضوعا لها بأوضاع متعدّدة و ليس كذلك بل موضوع لها وضعا واحدا. و اعلم أنّ وضعه للخصوصيات من حيث إنّها مندرجة تحت المفهوم الكلّي، فزيد من حيث تعلّق به إشارة مخصوصة معنى لهذا فله اعتبار في الوضع و في الموضوع له أيضا، و كذا الحال في المضمرات فإنّ لفظ أنا موضوع لكلّ متكلّم واحد و لفظ أنت لكلّ مخاطب مذكّر واحد، و لفظ هو لكلّ مفرد مذكّر غائب مخصوص، و لا يقدح في ذلك أنّ هذا يشار به أيضا إلى أمر كلّي مذكور و أنّ ضمير الغائب قد يرجع إليه أيضا. أمّا الأول فلأنّ هذا يقتضي بحسب أصل الوضع مشارا إليه إشارة حسّية فلا يكون إلّا جزئيا حقيقيا، و إذا استعمل في غيره فقد نزّل منزلته، و الكلّي المذكور من حيث إنّه مذكور بهذا الذكر الجزئي جزئي لا يحتمل الشركة. و أمّا الثاني فلاقتضاء ضمير الغائب ذكرا جزئيا للمرجوع إليه إمّا لفظا أو معنى أو حكما، و قد عرفت أنّ الكلّي من حيث هو مذكور ذكرا جزئيا جزئي و منه المشتقات كالأفعال فإنّها بالنظر إلى النسب الداخلة في مفهومها من هذا القبيل، و كالأسماء المتصلة بها مثل اسم الفاعل و اسم المفعول و نحوهما و كالمصغّر و المنسوب، إلّا أنّ في وضع المبهمات و المضمرات و بين وضع المشتقات فرقا من وجهين: الأول أنّ الخصوصيات التي وضعت بإزائها المشتقات جزئيات إضافية كلّ واحد منها كلّي في نفسه حتى لو فرض أنّ الواضع تصوّر مفهوم الضارب و عيّن بإزائه كان الوضع و الموضوع له عامين، و الخصوصيات التي وضعت المبهمات و المضمرات بإزائها جزئيات حقيقية. و الثاني أنّ تصوّر اللفظ و المعنى في المشتقات بوجه عام و أمّا في المبهمات و المضمرات فعموم التصوّر في المعنى، لكن الوضع في كليهما عام لأنّ المعتبر في ذلك هو المعنى إذ لا يترتّب على اعتباره في اللفظ فائدة. و منه الحروف فإنّ لفظة من مثلا موضوعة لكلّ ابتداء خاص بوضع واحد، هكذا ذكر السّيّد الشريف في حاشية شرح مختصر الأصول.
فائدة:
من المعلوم أنّ دلالة اللفظ على مفهوم دون مفهوم آخر مع استواء نسبته إليهما ممتنعة بل لا بدّ من اختصاص يقتضي لإمكانه مخصّصا ينحصر بحكم التقسيم العقلي في ذات اللفظ و غيرها، و ذلك الغير إمّا اللّه تعالى أو غيره، فذهب عبّاد بن سليمان الصيري [١] و أهل التكسير أي أصحاب علم الحروف و بعض المعتزلة إلى الأول و زعموا أنّ بين اللفظ و المعنى مناسبة ذاتية مخصوصة منها نشأت دلالته عليه، و الحقّ خلافه، لأنّا لو فرضنا وضع اللفظ الدّالّ على الشيء لمناسبة ذاتية على زعمكم لنقيض ذلك الشيء أو لضدّه دلّ اللفظ على النقيض أو الضدّ دون هذا المدلول الذي هو الشيء، فقد تخلّف عن اللفظ الدلالة عليه، أو لو فرضنا وضع اللفظ للشيء و لنقيضه أو له و لضده دلّ عليهما،
[١] عباد بن سليمان البصري المعتزلي، ابو سهل، معتزلي كبير من أصحاب هشام الفوطي، لكنه خالف المعتزلة باختراعه بدعا نسبها لنفسه له عدة مؤلفات.
طبقات المعتزلة ٧٧، الفهرست ٢١٥، سير أعلام النبلاء ١/ ٥٥١.