كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٦٣٥ - فائدة
شاهدة بأنّ الماء مثلا إنّما حصل فيما بين أطراف الإناء من الفضاء ألا ترى أنّ الناس كلّهم حاكمون بذلك و لا يحتاجون فيه إلى نظر و تأمّل و صحّفه بعضهم بالمقطور بالقاف أي بعد له أقطار، و المقطور بمعنى المشقوق فإنّه ينشقّ فيدخل فيه الجسم. قالوا يجب أن يكون ذلك البعد جوهرا لقيامه بذاته و توارد الممكنات عليه مع بقائه بشخصه فكأنّه جوهر متوسّط بين العالمين، أعني الجواهر المجرّدة التي لا تقبل الإشارة الحسّية و الأجسام التي هي جواهر مادية كثيفة، و حينئذ تكون الأقسام الأوّلية للجوهر ستة لا خمسة على ما هو المشهور. و على هذا المذهب للفلك الأعلى أيضا مكان.
اعلم أنّ القائلين بأنّ المكان هو البعد المجرّد الموجود فرقتان: فرقة منهم تقول بجواز خلوّه عن الجسم، و فرقة تمنعه، و قد سبق في لفظ الخلاء. و ذهب المتكلّمون إلى أنّ المكان بعد موهوم مفروض يشغله الجسم و يملأه على سبيل التوهّم و هو الخلاء. و ذهب بعض قدماء الحكماء إلى أنّ المكان هو الهيولى إذ المكان يقبل تعاقب الأجسام المتمكّنة فيه، و الهيولى أيضا تقبل تعاقب الأجسام أي الصور الجسمية.
فالمكان هو الهيولى و هذا المذهب قد ينسب إلى أفلاطون، و لعلّه أطلق لفظ الهيولى على المكان باشتراك اللفظ مع وجود المناسبة بينهما في توارد الأشياء عليهما، و إلّا فامتناع كون الهيولى التي هي جزء الجسم مكانا مما لا يشتبه على عاقل فضلا عمّن كان مثله في الفطانة.
و قال بعضهم إنّه الصورة الجسمية لأنّ المكان هو المحدّد للشيء الحاوي له بالذات و الصورة كذلك، و هذا أيضا قد ينسب إلى أفلاطون.
قالوا في توجيه كلامه لمّا ذهب إلى أنّ المكان هو الفضاء و البعيد المجرّد سمّاه تارة بالهيولى للمناسبة المذكورة و تارة بالصورة لأنّ الجواهر الجسمانية قابلة له بنفوذه فيها دون الجواهر المجرّدة، فهو كالجزء الصوري للأجسام و هذان القولان إن حملا على هذا فلا محذور، و إلّا فلا اعتداد بهما لظهور بطلانهما.
فائدة:
قال الحكماء: كلّ جسم فله مكان طبيعي و قد سبق تفسيره في لفظ الحيّز.
فائدة:
اللّه تعالى ليس في جهة و لا حيّز و مكان، و هذا مذهب أهل السّنّة و الحكماء، و خالف فيه المشبّهة و خصّصوه بجهة اتفاقا، ثم اختلفوا فيما بينهم. فذهب أبو عبد اللّه محمد بن كرّام إلى أنّ كونه في الجهة ككون الأجسام فيها هو أن يكون بحيث يشار إليه أ ههنا أم هناك. قال و هو مماس للصفحة العليا من العرش، و يجوز عليه الحركة و الانتقال و تبدّل الجهات، و عليه اليهود حتى قالوا العرش يئطّ من تحته اطيط الرحل الجديد تحت الراكب الثقيل و قالوا أنه يفضل على العرض من كل جهة أربع أصابع و زاد بعض المشبّهة كمضر و كهص [١] و أحمد الهجيمي [٢] أنّ المؤمنين المخلصين يعانقونه في الدنيا و الآخرة. و منهم من قال هو محاذ للعرش غير مماس له. فقيل بعده عنه بمسافة متناهية و قيل بمسافة غير متناهية. و منهم من قال ليس كونه في الجهة ككون الأجسام في الجهة. و المنازعة مع هذا القائل راجعة إلى اللفظ دون المعنى، و الإطلاق اللفظي يتوقّف على إذن الشرع به عند الأشاعرة. و لأهل الحقّ في إثبات الحقّ دلائل، منها أنّه لو كان في المكان فإمّا أن يكون في
[١] وردت ترجمته سابقا.
[٢] وردت ترجمته سابقا.