كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٤٨٢ - فائدة
الإلف بالمحبّة، و كلّما كان ذلك الإلف أشدّ كانت النّفرة عمّا سواه أشدّ، لأنّ المانع عن حضور المحبوب مكروه، فلا يزال يتعاقب محبة اللّه و التنفر عما سواه عن القلب، و بالآخر يصير القلب نفورا عمّا سوى اللّه، و النفرة توجب الإعراض عمّا سوى اللّه، فيصير ذلك القلب مستنيرا بأنوار القدس مستضيئا بأضواء عالم العظمة فانيا عن الحظوظ المتعلّقة بعالم الحدوث، و هذا مقام عليّ الدّرجة، و ليس له في هذا العالم إلّا العشق الشديد على أيّ شيء كان.
إن قيل قوله يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [١] يشتمل على حكمين:
أحدهما أنّ حبّ الكفار للأنداد مساو لحبّهم له تعالى مع أنّ اللّه تعالى حكى عنهم أنّهم قالوا ما نعبدهم إلّا ليقرّبونا إلى اللّه زلفى. و ثانيهما أنّ محبة المؤمنين له تعالى أشدّ من محبتهم، مع أنّا نرى اليهود يأتون بطاعات شاقة لا يأتي بشيء منها أحد من المؤمنين و لا يأتون بها إلّا للّه تعالى، ثم يقتلون أنفسهم حبّا له تعالى.
قلت الجواب عن الأول أنّ المعنى يحبّونهم كحبّ اللّه في الطاعة لها و التعظيم، فالاستواء في هذا القول من المحبة لا ينافي ما ذكرتموه.
و عن الثاني أنّ المؤمنين لا يضرعون إلّا إليه بخلاف المشركين فإنّهم يرجعون عند الحاجة إلى الأنداد. و أيضا من أحبّ غيره رضي بقضائه فلا يتفرق [٢] في ملكه، فهؤلاء الجهّال قتلوا أنفسهم بغير إذنه. و أمّا المؤمنون فقد يقتلون أنفسهم بإذنه كما في الجهاد، و أيضا إنّ المؤمنين يوحّدون ربّهم و الكفار يعبدون مع الصّنم أصناما فتنقص محبّة الواحد. أمّا الإله الواحد فينضم محبة الجميع إليه، انتهى ما قال الإمام الرازي. و في شرح القصيدة الفارضية المحبّة ميل الجميل إلى الجمال بدلالة المشاهدة كما ورد (إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال) [٣]، و ذلك لأنّ كلّ شيء ينجذب إلى أصله و جنسه و ينتزع [٤] إلى أنسه و وصله. فانجذاب المحبّ إلى جمال المحبوب ليس إلّا لجمال فيه.
و الجمال الحقيقي صفة أزلية للّه تعالى شاهدة في ذاته أوّلا [٥] مشاهدة علمية [٦]، فأراد أن يراه في صنعه [٧] مشاهدة عينية، فخلق العالم كمرآة شاهد فيه عين جماله عيانا. و إليه أشار صلى اللّه عليه و آله و سلم بقوله (كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق) [٨] الحديث.
فالجميل الحقيقي هو اللّه سبحانه و كلّ جميل في الكون مظهر جماله. و لما خلق اللّه الإنسان على صورته جميلا بصيرا فكلّما شاهد جميلا انجذب أحداق بصيرته إليه و امتدّ نحوه أعناق سريرته، و هذا الانجذاب هو الحبّ الأخصّ أن ظهر من مشاهدة الروح جمال الذات في عالم الجبروت، و الخاص إن ظهر من مطالعة القلب جمال الصّفات في عالم الملكوت، و العام إن ظهر من ملاحظة النفس جمال الأفعال في عالم
[١] البقرة/ ١٦٥
[٢] يتصرف (م)
[٣] صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب تحريم الكبر، ح ١٤٧، ١/ ٩٣
[٤] ينزع (م)
[٥] أزلا (م)
[٦] عليه (م)
[٧] صفته (م)
[٨] ابن عراق الكناني (- ٩٦٣ ه) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الموضوعة، كتاب التوحيد، ح ٤٤، ١/ ١٤٨، و ذكر أن ابن تيمية قال بأنه موضوع، بلفظ «كنت كنزا لا يعرف» و ذكر عنه العجلوني، كشف الخفاء، ح ٢٠١٦، ٢/ ١٧٣، فقال:
و المشهور على الألسنة «كنت كنزا مخفيا ...» و هو واقع كثيرا في كلام الصوفية، و اعتمدوه و بنوا عليه أصولا لهم.