كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٢١٠ - فائدة
و الوجوب السابق فليس شيء منها مما يحتاج إليه المعلول، بل هي أمور إضافية ينتزعها العقل من استتباع وجود العلّة لوجود المعلول و حكم العقل بأنّه أمكن، فاحتاج فأثّر فيه الفاعل فوجب وجوده فوجد إنّما هو في الملاحظة العقلية و ليس في الخارج إلّا المعلول الممكن و العلّة الموجبة لوجوده فتدبّر. و إمّا مع الغاية كما في البسيط الصادر عن المختار. و قد تكون مجتمعة من الأمور الأربعة أو الثلاثة كما في المركّب الصادر عن المختار و المركّب الصادر عن الموجب. و قد تطلق العلّة التامة على الفاعل المستجمع لشرائط التأثير.
اعلم أنّ العلّة مطلقا متقدّمة على المعلول تقدما ذاتيا إلّا العلة التامة المركّبة من أربع أو ثلاث، فتقدّمها على المعلول بمعنى تقدّم كلّ واحد من أجزائها عليها، و أمّا تقدّم الكلّ من حيث هو كلّ ففيه نظر، إذ مجموع الأجزاء المادية و الصورية هو الماهية بعينها من حيث الذات، و لا يتصوّر تقدّمها على نفسها فضلا عن تقدّمها على نفسها مع انضمام أمرين آخرين إليهما و هما الفاعل و الغاية. و أجيب بأنّ المعلول من الماهية المركّبة من المادة و الصورة إنّما هو التركيب و الانضمام، فاللازم تقدّم المادة و الصورة على التركيب و الانضمام، فتقدّم العلّة التامة لا يستلزم تقدّم الماهية على نفسها.
ثم العلّة الناقصة أربعة أقسام لأنّها إمّا جزء الشيء أو خارج عنه، و الأول إن كان به الشيء بالفعل فهو الصورة و إن كان به الشيء بالقوة فهو المادة. فالعلة الصورية ما به الشيء بالفعل أي ما يقارن لوجوده وجود الشيء بمعنى أن لا يتوقّف بعد وجوده على شيء آخر. فالباء في به للملابسة، فخرج مادة الأفلاك و الأجزاء الصورية و الجزء الصوري لمادة المركّب كصورة الخشب للسرير فإنّها أجزاء مادية بالنسبة إلى المركّب، فإنّ العلّة الصورية للسرير هي الهيئة السريرية، و حمل الباء على السّببية القريبة يحتاج إلى القول بأنّ العلة التامة و الفاعل سببان بعيدان بواسطة الصورة. لا يقال صورة السّيف قد تحصل في الخشب مع أنّ السيف ليس حاصلا بالفعل لعدم ترتّب آثار السيف عليه، لأنّا نقول الصورة السيفية المعيّنة الحاصلة في الحديد المعيّن إذا حصلت شخّصها حصل السيف بالفعل قطعا و ليست الحاصلة في الخشب عين تلك الصورة بل فرد آخر من نوعها به يتحقّق بالفعل ما يشبه السيف. و أيضا الآثار المترتّبة على السيف الحديدي ليست آثارا لنوع السيف بل لصنفه و هو السيف الحديدي فتدبّر.
و العلة المادية ما به الشيء بالقوة كالخشب للسرير و ليس المراد بالعلّة الصورية و المادية في عباراتهم ما يختصّ بالجواهر من المادة و الصورة الجوهريتين بل ما يعمّهما و غيرهما من أجزاء الأعراض التي لا يوجد بها إلّا الأعراض إمّا بالفعل أو بالقوة. فإطلاق المادة و الصورة على العلّة المادية و الصورية مبني على التسامح، و هاتان العلّتان أي المادة و الصورة علّتان للماهية داخلتان في قوامها كما أنّهما علتان للوجود أيضا فتختصان باسم علّة الماهية تمييزا لهما عن الباقيين أي الفاعل و الغاية المتشاركين لهما في علّة الوجود و باسم الركن أيضا. و في الرشيدية العلّة ما يحتاج إليه الشيء في ماهيته بأن لا يتصوّر ذلك الشيء بدونه كالقيام و الركوع في الصلاة، و تسمّى ركنا، أو في وجوده بأن كان مؤثّرا فيه فلا يوجد بدونه كالمصلي لها أي الصلاة انتهى. و الثاني أي ما يكون خارجا عن المعلول إمّا ما به الشيء و هو الفاعل و المؤثّر فالفاعل هو المعطي لوجود الشيء، فالباء للسببية كالنّجّار للسرير، و المجموع من الواجب و الممكن، و إن كان فاعله جزءا منه لكن ليس فاعليته إلّا باعتبار فاعليته لممكن فيكون خارجا عن المعلول، و إمّا ما لأجله الشيء و هو الغاية