كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣٠٩ - فائدة
الأصح الأشهر أنّه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجّما في عشرين سنة أو ثلاث و عشرين أو خمس و عشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته صلى اللّه عليه و آله و سلم بمكة بعد البعثة.
الثاني أنّه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة القدر أو ثلاث و عشرين أو خمس و عشرين، في كلّ ليلة ما يقدر اللّه إنزاله في كلّ سنة، ثم نزل بعد ذلك منجّما في جميع السنة، و هذا القول ذكره الرازي بطريق الاحتمال ثم توقّف. هل هذا أولى أو الأول؟ قال ابن كثير و هذا الذي جعله احتمالا نقله القرطبى عن مقاتل بن حيان [١]، و حكى الإجماع على أنّه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في سماء الدنيا. الثالث أنّه ابتدأ انزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجّما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات، و به قال الشعبي [٢]. قال ابن حجر و الأول هو الصحيح المعتمد. قال و حكى الماوردي [٣] قولا رابعا أنّه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة و أنّ الحفظة نجّمته على جبرئيل في عشرين ليلة و أنّ جبرئيل نجّمه على النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم في عشرين سنة، و المعتمد أنّ جبرئيل كان يعارضه في رمضان بما ينزل به عليه في طول السنة. قال أبو شامة [٤]:
نزوله جملة إلى سماء الدنيا قبل ظهور نبوّته و يحتمل أن يكون بعدها، قيل الظاهر هو الثاني. قيل السرّ في إنزاله جملة إلى سماء الدنيا تفخيم أمره و أمر من نزل عليه و ذلك بإعلام سكان السموات السبع أنّ هذا آخر الكتب المنزّلة على خاتم الرسل أشرف الأمم قد قرّبناه إليهم لننزّله عليهم، و لو لا أنّ الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجّما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزّلة قبله، و لكن اللّه باين بينه و بينها فجعل له الأمرين إنزاله جملة ثم إنزاله مفرّقا تشريفا للمنزّل عليه. و قيل إنزاله منجّما لأنّ الوحي إذا كان يتجدّد في كلّ حادثة كان أقوى للقلب و أشدّ عناية بالمرسل إليه، و يستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه فيحدث له من السرور ما يقصر عنه العبارة. و الثانية في كيفية الإنزال و الوحي.
قال الأصفهاني اتفق أهل السّنة و الجماعة على أنّ كلام اللّه منزّل و اختلفوا في معنى الإنزال.
فمنهم من قال إظهار القراءة، و منهم من قال إنّ اللّه تعالى ألهم كلامه جبرئيل و هو في السماء و هو عال من المكان و علّمه قراءته ثم جبرئيل أدّاه إلى الأرض و هو يهبط في المكان. و في
[١] هو مقاتل بن حيان بن دوال دور، ابو بسطام النبطي، توفي حوالي عام ١٥٠ ه، امام محدث ثقة، روى الحديث و كان بارعا فيه. سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٤٠، تاريخ البخاري ٨/ ١٣، الجرح و التعديل ٨/ ٣٥٣ مشاهير علماء الأمصار ١٩٥، تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٤، ميزان الاعتدال ٤/ ١٧١.
[٢] هو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار، الشعبي الحميري، ابو عمرو، ولد بالكوفة عام ١٩ ه/ ٦٤٠ م و توفي فيها عام ١٠٣ ه/ ٧٢١ م. راوية من التابعين، حافظ فقيه شاعر، كان ثقة في الحديث. الاعلام ٣/ ٢٥١، تهذيب التهذيب ٥/ ٦٥، وفيات الاعيان ١/ ٢٤٤، حلية الاولياء ٤/ ٣١٠، تاريخ بغداد ١٢/ ٢٢٧
[٣] هو علي بن محمد بن حبيب ابو الحسن الماوردي، ولد في البصرة عام ٣٦٤ ه/ ٩٧٤ م و توفي في بغداد عام ٤٥٠ ه/ ١٠٥٨ م. أقصى قضاة عصره، عالم باحث، له تصانيف كثيرة و مفيدة. الاعلام ٤/ ٣٢٧، طبقات السبكي ٣/ ٣٠٣، وفيات الاعيان ١/ ٣٢٦، شذرات الذهب ٣/ ٢٥٨، آداب اللغة ٢/ ٣٣٢، مفتاح السعادة ٢/ ١٩٠
[٤] هو عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم المقدسي الدمشقي، ابو القاسم، شهاب الدين ابو شامه، ولد في دمشق عام ٥٩٩ ه/ ١٢٠٢ م و توفي فيها عام ٦٦٥ ه/ ١٢٦٧ م، مؤرخ محدث باحث، له الكثير من الكتب و المصنفات.
الاعلام ٣/ ٢٩٩، فوات الوفيات ١/ ٢٥٢، بغية الوعاة ٢٩٧، غاية النهاية ١/ ٣٦٥، طبقات الشافعية ٥/ ٦١.