كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٥٨٦ - التقسيم
عن تلك الصلاحية، و كذا معنى الحرف. ثم لا يخفى أنّ المشار به إلى خارج إنّما هو اللفظ الدالّ على الذات و إنّما نسب إليها مجازا أو أراد بالذات ما يدلّ عليها مجازا، فالتعريف و التنكير من عوارض الذات أي من عوارض ما يكون مدلوله الذات، فلا يجريان في غير الاسم. فعلى هذا لو بدّل الذات بالاسم لكان أنسب. و المراد بالخارج مقابل الذهن. و إنّما قيل إلى خارج لأنّ كلّ اسم موضوع للدلالة على ما سبق في علم المخاطب بكون ذلك الاسم دالا عليه، و من ثمّة لا يحسن أن يخاطب بلسان إلّا من سبق معرفته بذلك اللسان، فعلى هذا كلّ لفظ فهو إشارة إلى ما ثبت في ذهن المخاطب أنّ ذلك اللفظ موضوع له، فلو لم يقل إلى خارج لدخل في الحدّ جميع الأسماء معارفها و نكراتها. و توضيحه أنّ المعرفة يشار بها إلى ما في الذهن من حيث حضوره فيه، و لهذا قيل المعرفة يقصد بها معيّن عند السامع من حيث هو معيّن كأنه إشارة إليه بذلك الاعتبار. و أمّا النكرة فيقصد بها التفات الذهن إلى المعيّن من حيث ذاته و لا يلاحظ فيها تعيينه و إن كان معيّنا في نفسه، لكن بين مصاحبة التعيين و ملاحظته فرق جلي. و لا شكّ في أنّ الأمر الحاضر في الذهن و إن كان أمرا ذهنيا إلّا أنه مع قيد الحضور في الذهن أمر خارج عن الذهن لأنّ الموجود في الذهن مجرّد ذاته لا مع قيد الحضور فيه، فالمراد بالخارج المعيّن من حيث هو معيّن، و قد يقيّد الخارج بالمختصّ و يجعل فائدته الاحتراز عن الضمائر العائدة إلى ما لم يختص بشيء قبله نحو: أرجل قائم أبوه، و نحو: ربّه رجلا و ربّ رجل و أخيه، و يا لها قصة، فإنّ هذه الضمائر نكرات إذ لم يسبق اختصاص المرجوع إليه بحكم. و لو قلت ربّ رجل كريم و أخيه، و ربّ شاة سوداء و سخلتها لم يجز لأنّ الضمير معرفة لرجوعه إلى نكرة مخصصة بالصفة. و فيه بحث لأنّه إن كانت هذه الضمائر إشارة إلى ما في الذهن من حيث حضوره فيه كان الظاهر كونها معرفة لا نكرة، و إن كانت إشارة إليه من حيث ذاته خرجت من قيد خارج فلم يحتج إلى قيد مختص. و أيضا معنى التعريف هو التعيين أي الإشارة إلى معلوم حاضر في ذهن السامع من حيث هو معلوم و إن كان مبهما كما سبق، و هذا المعنى موجود في الضمير العائد إلى النكرة، فلا وجه للحكم بكونه نكرة. و أيضا لمّا اعتبر مجرّد الإشارة إلى الخارج فاعتبار التخصيص الغير الواصل إلى حدّ التعيين مستبعد جدا. و لما كان الحقّ إدخال تلك الضمائر في المعارف لم يقيّد الخارج بالمختص. و إنّما قيل إشارة وضعية ليخرج عن الحدّ النكرات المعيّنة عند المخاطب نحو أتيت رجلا إذا علمه المتكلّم بعينه إذ ليس في رجلا إشارة لا وضعا و لا استعمالا إلى معيّن؛ و يدخل في الحدّ تعريف الأعلام المشتركة إذ يشار بها إلى معيّن بحسب الوضع.
فالمعرفة على هذا ما أشير به إلى خارج إشارة وضيعة. و عند من قيّد الخارج بالمختصّ هي ما أشير به إلى خارج مختصّ إشارة وضعية، و النكرة ما ليس كذلك.
ثم اعلم أنّ الجمهور على أنّ المعتبر في المعرفة التعيين عند الاستعمال دون الوضع، فعرّفوا المعرفة بما وضع ليستعمل في شيء بعينه أي متلبّس بعينه أي في شيء معيّن من حيث إنّه معيّن. و حاصله الإشارة إلى أنّه معهود و معلوم بوجه ما، و بهذا خرج النكرة لأنّ معاني النكرات و إن أوجبت معلوميتها للسامع لكن ليس في اللفظ إشارة إلى تلك المعلومية. و لمّا اعتبر التعيين عند الاستعمال دخل في الحدّ المضمرات و المبهمات و سائر المعارف، فإنّ لفظ أنا لا يستعمل إلّا في الاشخاص المعيّنة إذ لا يصحّ أن يقال إنا و يراد به متكلّم لا بعينه،