كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٦٤١ - فائدة
و الإنحاس، فإنّها بزعمهم أحياء ناطقة و إنّ المسعدات منها ملائكة الرحمة و المنحسات منها هي ملائكة العذاب. و القول الثالث قول معظم المجوس و الثنوية و هو أنّ هذا العالم مركّب من أصلين الذين هما النور و الظلمة و هما في الحقيقة جوهران شفّافان حسّاسان مختاران قادران متضادّا النفس و الصورة مختلفا الفعل و التدبير. فجوهر النور فاضل خيّر تقي طيّب الريح كريم النفس يسرّ و لا يضرّ و ينفع و لا يمنع و يحيي و لا يبلي، و جوهر الظلمة على ضدّ ذلك. ثم إنّ جوهر النور لم يزل لولد الأولياء و هم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولّد الحكمة من الحكيم و الضوء من المضيء، و جوهر الظلمة لم يزل لولد الأعداء و هم الشياطين على سبيل تولّد السّفه من السفيه لا على سبيل التناكح. و أمّا الثاني و هو أنّ الملائكة ذوات قائمة بأنفسها و ليست بمتحيّزة و لا أجسام، فههنا قولان: الأول قول طوائف من النصارى و هو أنّ الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة بذواتها المفارقة لأبدانها على نعت الصّفاء و الخيرية، و ذلك لأنّ هذه النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة، و إن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين. و القول الثاني قول الفلاسفة و هي أنّها جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيّزة البتة فإنّها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية و أنّها أكمل قوة منها و أكثر علما منها و أنّها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء. ثم إنّ هذه الجواهر على قسمين: منهما ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك و الكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، و منهما ما هي أعلى شأنا من تدبير أجرام الأفلاك، بل هي مستغرقة في معرفة اللّه و محبته و مشتغلة بطاعته، و هذا القسم هم الملائكة المقرّبون و نسبتهم إلى الملائكة الذين يدبّرون السموات كنسبة أولئك المدبّرين إلى نفوسنا الناطقة، فهذان القسمان من الملائكة قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما.
و منهم من أثبت أنواعا أخر من الملائكة و هي الملائكة الأرضية المدبّرة لأحوال هذا العالم.
ثم إنّ مدبرات هذا العالم إن كانت خيّرات فهم الملائكة، و إن كانت شريرة فهم الشياطين انتهى كلامه. و في العيني شرح صحيح البخاري قالت الفلاسفة الملائكة جواهر مجرّدة، فمنهم من هو مستغرق في معرفة اللّه فمنهم الملائكة المقرّبون، و منهم مدبّرات العالم إذا كانت خيّرات، فمنهم الملائكة الأرضية، و إن كانت شريرة فهم الشياطين انتهى كلامه. و في تهذيب الكلام أنّ الحكماء ذهبوا إلى أنّ الملائكة هم العقول المجرّدة و النفوس الفلكية انتهى. و يسمّى الملائكة بالأرواح أيضا و قد سبق في لفظ المفارق، و في لفظ الجنّ.
و اعلم أنّ أصناف الملائكة كثيرة منها حملة العرش، و منها الحافّون حول العرش، و منها أكابر الملائكة فمنهم جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل، و منها ملائكة الجنّة، و منها ملائكة النار و أسماء جملتهم الزبانية و رئيسهم مالك، و منها كتبة الأعمال، و منها الموكلون لبني آدم و هو في قوله تعالى: وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ [١] الآية، و منها الملائكة الموكلون بأحوال هذا العالم و هم المرادون بقوله تعالى: وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا [٢]، و بقوله تعالى: وَ الذَّارِياتِ ذَرْواً [٣] إلى قوله
[١] الانفطار/ ١٠- ١١
[٢] الصافات/ ١
[٣] الذاريات/ ١