كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٥٨٤ - التقسيم
نسيان محوج إلى كسب جديد و إلّا فالحاصل بعد الذهول التفات لا إدراك إلّا مجازا. و الحقّ أنّ الذهول زوال الصورة عن المدركة فيكون الموجود بعده إدراكا، و إن كان بلا كسب جديد. و منها الإدراك الذي هو بعد الجهل و يعبّر عنه أيضا بالإدراك المسبوق بالعدم و العلم يقال للإدراك المجرّد من هذين الاعتبارين بمعنى أنّه لم يعتبر فيه شيء من هذين القيدين، و بالنظر إلى هذه المعاني الثلاثة يقال: اللّه تعالى عالم و لا يقال عارف، إذ ليس إدراكه تعالى استدلاليا و لا مسبوقا بالعدم و لا قابلا للذهول، و النسبة بين المعرفة و العلم بهذين المعنيين هي العموم مطلقا، هكذا في حواشي المطول في تعريف علم المعاني، و باقي النّسب يظهر بأدنى توجّه.
و منها ما هو مصطلح الصوفية. قال في مجمع السلوك: المعرفة لغة العلم، و عرفا العلم الذي تقدّمه نكرة. و في عبارة الصوفية العلم الذي لا يقبل الشكّ إذا كان المعلوم ذات اللّه تعالى و صفاته، و معرفة الذات أن يعلم أنّه تعالى موجود واحد فرد و ذات و شيء و قائم و لا يشبه شيئا و لا يشبهه. و أما معرفة الصفات فأن يعرف اللّه تعالى حيّا عالما سميعا بصيرا مريدا متكلّما إلى غير ذلك من الصفات. و إنما لا تطلق المعرفة على اللّه تعالى لأنّها في الأصل اسم لعلم كان بعد أن لم يكن، و علمه تعالى قديم.
ثم المعرفة إمّا استدلالية، و هو الاستدلال بالآيات على خالقها لأنّ منهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء، و هذه المعرفة على التحقيق إنّما تحصل لمن انكشف له شيء من أمور الغيب حتى استدلّ على اللّه تعالى بالآيات الظاهرة و الغائبة، فمن اقتصر استدلاله بظاهر العالم دون باطنه فلم يستدل بالدليلين فتعطّل استدلاله بالباطن و هي درجة العلماء الراسخين في العلم.
و أمّا شهودية ضرورية و هو الاستدلال بناصب الآيات على الآيات، و هي درجة الصّدّيقين و هم أصحاب المشاهدة. قال بعض المشايخ: رأيت اللّه قبل كلّ شيء و هو عرفان الإيقان و الإحسان، فعرفوا كلّ شيء به لا أنّهم عرفوه بشيء انتهى. و يقرب من هذا ما في شرح القصيدة الفارضية من أنّ المعرفة أخصّ من العلم لأنّها تطلق على معنيين، كلّ منهما نوع من العلم، أحدهما العلم بأمر باطن يستدلّ عليه بأثر ظاهر كما توسّمت شخصا فعلمت باطن أمره بعلامة ظاهرة منه، و من ذلك ما خوطب به رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في قوله تعالى فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [١]. و ثانيهما العلم بمشهود سبق به عهد كما رأيت شخصا رأيته قبل ذلك بمدة فعلمت أنّه ذلك المعهود، فقلت عرفته بعد كذا سنّة عهده، فالمعروف على الأول غائب و على الثاني شاهد. و هل التفاوت البعيد بين عارف و عارف إلّا لبعد التفاوت بين المعرفتين؟ فمن العارفين من ليس له طريق إلى معرفة اللّه تعالى إلّا الاستدلال بفعله على صفته و بصفته على اسمه و باسمه على ذاته، أولئك ينادون من مكان بعيد. و منهم من يحمله العناية الأزلية فتطرقه إلى حريم الشّهود فيشهد المعروف تعالى جده بعد المشاهدة السابقة في معهد أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [٢] و يعرف به أسماءه و صفاته على عكس ما يعرفه العارف الأول، فبين العارفين بون بيّن، إذ الأول لغيبة معروفة كنائم يرى خيالا غير مطابق للواقع، و الثاني لشهود معروفه كمستيقظ يرى مشهودا حقيقيا مطابقا للواقع انتهى كلامه.
قال في مجمع السلوك: أوحى اللّه تعالى لداود عليه السلام يا داود: أ تدري ما معرفتي؟ قال:
لا. قال: حياة القلب في مشاهدتي. و قال
[١] محمد/ ٣٠
[٢] الأعراف/ ١٧٢